فهرس الكتاب
أكثر من مائة سنة، وحكمها بعدهم تتش بن ألب أرسلان ثم دقاق، بل كان طغتكين شخصيًّا أميرًا عليها فترة من الزمان أيام حكم دقاق.
وهكذا - وبالنظر إلى جغرافية المنطقة - نجد أن الوصول إلى دمشق يحتِّم السيطرة على حماة وحمص أولًا لوقوعهما في الطريق بين حلب ودمشق [1] . فماذا يمكن أن يفعل عماد الدين زنكي ليتمكن من حمص وحماة أولًا، ثم دمشق بعدهما؟
لقد فكر عماد الدين زنكي في حيلة سياسية، وهي أن يُظهِر أنه يجهِّز جيشًا لحرب الصليبيين، ثم يطلب التعاون من الأميرين خيرخان بن قراجا أمير حمص، وبوري بن طغتكين أمير دمشق، فإذا جاءا إليه ألقى عليهما القبض، فتخلو مدنهما من الحماية، وبالتالي يستطيع دخول المدن دون قتال.
هكذا كانت حسابات عماد الدين زنكي.
ولقد نجحت خطة عماد الدين زنكي في شقها الأول حيث جاءه بالفعل خيرخان بن قراجا في فرقة من جيشه، أما بوري بن طغتكين فاكتفى بإرسال ابنه سونج مع سرية رمزية من دمشق قوامها خمسمائة فارس، وكان سونج أميرًا على حماة.
قام عماد الدين زنكي بالقبض على سونج فورًا، وأسرع بدخول حماة، وقد ضعفت لعدم وجود سونج وجيشه فيها، وهكذا دخلت حماة في دولة عماد الدين زنكي دون إراقة دماء، وبعد أن استقر الوضع له هناك ألقى القبض على خيرخان بن قراجا ليفعل بحمص مثلما فعل بحماة، لكن حمص أغلقت أبوابها، وكان بها جيش كبير، فلم يستطع عماد الدين زنكي أن يدخلها [2] .
حاول عماد الدين زنكي أن يضغط على بوري بن طغتكين ليسلِّم مدينة دمشق في مقابل إطلاق سراح ابنه سونج إلا أن بوري رفض، وعليه فقد ظلت دمشق منفصلة عن الوحدة الإسلامية.
وهكذا خرج عماد الدين زنكي من هذا الموقف بمدينة حماة بينما فشل في السيطرة على حمص ودمشق، وليس هذا فقط، ولكن كُشفت كذلك أوراق عماد الدين زنكي أمام المدينتين، وعلم بوري بن طغتكين أمير دمشق، وقريش بن خيرخان أمير حمص الجديد (بعد أسر أبيه) أن عماد الدين زنكي لن يتردد في المستقبل في اختيار الحل العسكري لضم المدينتين.
ويحمل كثيرٌ من المؤرخين على عماد الدين زنكي أنه قام بهذه الحيلة، وأوهم بوري بن طغتكين، وخيرخان بن قراجا بالجهاد، ثم غدر بهما وقبض على الثاني وعلى ابن الأول، وأن الغدر ليس أبدًا من شيم المؤمنين.
(1) عماد الدين خليل: عماد الدين زنكي ص119.
(2) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص362،361، ابن العديم: 2/ 246،245.