الصفحة 302 من 390

والواقع أن هذا الموقف من المواقف الصعبة في التحليل؛ لأن الغدر فعلًا ليس من شيم المؤمنين، لكن الأمر هنا ليس بهذه البساطة، فالذي يصدر حكمًا على عماد الدين زنكي لا بد أن ينظر إلى جميع الملابسات في آنٍ واحد، وأن يضع النقطة بجوار النقطة، والدليل فوق الدليل ليخرج في النهاية برؤية سليمة للحدث، ولا يتعامل معه على أنه غدرٌ مجرَّد أو مطلق.

ولعلنا لكي نتعايش مع عماد الدين زنكي في هذه القضية لا بد أن نقف على بعض الأمور:

أولًا: لا بد أن ننظر إلى المهمة التي يحملها عماد الدين زنكي قبل إطلاق الأحكام النظرية على الموقف والأحداث؛ إنه يحمل مهمة جهاد الصليبيين الذين احتلوا بلاد المسلمين منذ أكثر من ثلاثين سنة، وارتكبوا - وما زالوا يرتكبون - المذابح الشنيعة في القرى والمدن الإسلامية، والوقت عامل مهم جدًّا في قضية كهذه القضية.

ثانيًا: هؤلاء الزعماء يرفضون مشروع الوحدة تمامًا، وأي تلميح فضلًا عن التصريح لن يحمل إلا كل رفض، وستضيع فرصة توحيد الأمة في كيان واحد قادر على مواجهة الصليبيين، ولن يستطيع المسلمون - كما فهم عماد الدين زنكي - أن يُقدِموا على خطوة جهاد الصليبيين دون هذه الوحدة، فأصبحت الوحدة واجبًا لا بد منه لتحقيق الواجب الأكبر وهو الجهاد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ثالثًا: هؤلاء الزعماء لا يكتفون برفض الوحدة، والوقوف السلبي تجاه القضية، ولكنهم يتعاونون تعاونًا صريحًا مع الصليبيين، وتاريخهم يشهد بذلك، وكذلك واقعهم، بل وسنرى في المستقبل القوات الصليبية تقف مدافعةً من حمص ودمشق ضد قوات عماد الدين زنكي!

رابعًا: ما هو البديل لهذه الحيلة؟!

البديل هو الضم القسري للمدينتين! بمعنى أن يتم حصار المدينتين عسكريًّا، وينشب القتال بين الجيشين المسلمين، وتسقط الضحايا المسلمة، وتدمر الحصون الإسلامية، وتنسف الأسوار الإسلامية، ويتعمق الحقد والبغضاء بصورة عظيمة بين الطائفتين!!

وهذا البديل وإن كان صعبًا ومُرًّا إلا أن الفقهاء أقروه، وطبعًا هذا الإقرار لا يكون إلا في آخر المطاف، أي بعد استنفاد الوسائل السلميَّة الأخرى، وقد رأينا هذه المواقف العسكرية لضم المدن الإسلامية في حياة معظم المجاهدين في تاريخ الأمة الإسلامية، وخاصةً في الأوقات التي ابتليت فيها الأمة بضعف الخلافة، فلم يعُدْ هناك رابط معين بين الدويلات الكثيرة المتفرقة.

فإذا نظرنا إلى هذا البديل العسكري ونتائجه، ونظرنا في نفس الوقت إلى ضم حماة دون قطرة دم واحدة، فإننا سندرك المنطلق الذي فكر به عماد الدين زنكي في هذه المسألة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت