الصفحة 303 من 390

خامسًا: نحن لم نطَّلع على الصيغة التي أرسلها عماد الدين زنكي إلى بوري بن طغتكين أو خيرخان بن قراجا، لندرك هل كان فيها أسلوب تورية أم لا، فلعله صرَّح بألفاظ تحمل أكثر من معنى من أجل تحقيق هدفه دون غدر.

سادسًا: يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الْحَرْبُ خُدْعَةٌ" [1] . وهذه حرب حقيقية بين المسلمين والصليبيين، وبين المجاهدين المخلصين ومن يقف حجر عثرة ضد الجهاد، وقد رأى عماد الدين زنكي أن هذه خدعة من خدع الحرب، وهذا اجتهاد قد يكون أصاب فيه أو أخطأ، لكن يبقى أنه في حالة حرب، والحرب لها أحكامها التي قد تختلف كُلِّيَّةً عن أحكام الأوضاع السلمية.

سابعًا: عندما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل كعب بن الأشرف، قال له محمد بن مسلمة - رضي الله عنه: أتحب أن أقتله؟ قال:"نعم". قال: فاذن لي أن أقول شيئًا. قال: قل.

ثم كان حوار طويل بين محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - وكعب بن الأشرف، كان فيه خداع كبير من محمد بن مسلمة، وانتهى الأمر بقتل كعب بن الأشرف [2] .

وأنا أعلم أن الفعل هنا مع كافر وليس مسلمًا، ولكن الحكم عام، وخاصةً أن الزعماء المسلمين في هذه المدن كانوا يتعاونون مع الصليبيين تعاونًا صريحًا مشينًا.

ثامنًا: كان عماد الدين زنكي رحمه الله يستفتي الفقهاء في كل أموره، وقد وجد فقهاء زمانه أن الضرر الواقع من هذه الحيلة أقل من الضرر الواقع عند اصطدام الجيوش الإسلامية ببعضها البعض، مع الاعتراف أنه ضرر ولا يجب أن يُفعل في الظروف العادية، ولا داعي لاتهام فقهاء العصر جزافًا، فقد وصل الأمر ببعض المؤرخين أن قال في حق هؤلاء الفقهاء:"فأفتاه من لا دين له، وجوَّز له ما لا يحل، ولا يحسن شرعًا وعرفًا" [3] . فلم يكن عماد الدين زنكي بالرجل الذي يستفتي من لا دين له، ولم يكن فقهاء دولته من الذين يفتون للسلطان بما يريد، إنما كانوا بشهادة كل المؤرخين من أفضل علماء عصره، غاية ما هناك لو كانت الفتوى خاطئة، أنهم اجتهدوا لتحقيق مصلحة فأخطئُوا.

تاسعًا: يؤخذ الفعل في ضوء سيرة الشخص! فهل بمراجعة سيرة عماد الدين زنكي يمكن أن نقول أنه رجل غادر لا يهتم برأي الدين؟! لقد وجدنا في سيرته سواء قبل هذا الحدث أو بعده سعيًا حثيثًا لجهاد الصليبيين، وبذلًا لوقته وجهده وكل حياته من أجل هذه القضية؛ ولذلك نستطيع أن

(1) البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كتاب الجهاد والسير، باب الحرب خدعة (2866) ، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب جواز الخداع في الحرب (1739) ، وأبو داود (2636) ، والترمذي (1675) ، وابن ماجة (2833) .

(2) انظر قصة مقتل كعب بن الأشرف في صحيح البخاري: كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف (3811) ، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود (1801) .

(3) مفرج الكروب لابن واصل 1/ 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت