الصفحة 304 من 390

نقول أنه ما كان يريد بهذا الفعل - حتى ولو كان خطأً لا يجب أن يُكرر - إلا المصلحة للمسلمين، وليست المصلحة الشخصية له.

إننا نقول هذا الكلام لكي لا يتخذ أحد الجشعين من عشاق السلطة هذا الفعل ذريعة أن يتقدم بجيشه ناحية كذا أو كذا من بلاد المسلمين بحجة توحيد الأمة لمصلحة ما! فلا بد أن ننظر إلى سيرة هذا الذي يجمع البلاد تحت حكمه، هل هو من نوعية المجاهد العظيم عماد الدين زنكي؟ أم من نوعية الحاكم الظالم تتش بن ألب أرسلان أو أولاده؟!

عاشرًا وأخيرًا: لقد حكم عماد الدين زنكي المسلمين عشرين سنة كاملة، من سنة 521هـ إلى سنة 541هـ، فكم كانت أخطاؤه؟! إننا إذا سلمنا أن هذا خطأ محض، وأنه موقف ما كان له أن يحدث، فإننا سنجد هذه المواقف نادرة تمامًا في حياته، ومَن هذا الذي لا يُخطِئ من البشر إلا المعصومين من الأنبياء؟!

وكفى بالمرء نبلًا أن تُعَدَّ معايبه! ولا ننسى أن الزمن كان زمن فتنة، والخلافة ضعيفة ولا رأي لها، وبالتالي فجهود المخلصين لتوحيد الأمة لا بد أن يشوبها لبسٌ كبير؛ لأنه ليس هناك تكليف من شخصية معينة لها الأمر على كل المسلمين، مما كان يستدعي بعض الرؤى الخاصة التي قد تتعارض أحيانًا مع الرأي الحكيم.

إننا بعد هذا التحليل لا نريد أن نخرج عماد الدين زنكي من دائرة البشرية فنعتبر أنه لا يخطئ، ولا نريد أن نبرِّر له خطأً بينًا أو فعلًا فاحشًا، وإنما نريد أن نقول أن الظروف المضطربة، والأمور المتشابكة المعقدة جعلت من اختيار الرأي الصائب في قضية من القضايا أمرًا صعبًا لا يتحقق في كل الأحوال، وشتَّان بين من يأخذ هذا الرأي وهو يعيش وسط الأحداث، ويرى الصليبيين يجوسون خلال الديار، ويري المعاملات الدنيئة من بعض الزعماء المسلمين مع قواد الصليبيين، وبين من يجلس في غرفته آمنًا مطمئنًا، وبعد الحدث بمائة سنة أو مئات السنين، يحلِّل ويُنظِّر، ويصوِّب ويخطِّئ، ويقول في بساطة: هذا حلال، وهذا حرام!

فلنضع كل هذه الخلفيات عند التحليل، والموفَّق من وفقه الله - عز وجل -!

نعود إلى قصتنا ..

فإن عماد الدين زنكي - وبعد مرور سنة واحدة على حكمه - أصبح أميرًا على الموصل وحلب وحماة، وهذه قوة لا يستهان بها، وبالتالي سعى عماد الدين زنكي لتأمين الطريق الواصل بين هذه المدن لتصبح إمارته آمنة، وجيدة المواصلات، وضم لذلك سنجار الواقعة في منتصف الطريق بين الموصل وحلب، وذلك في أواخر سنة 522هـ\ أواخر 1128م [1] ، كما شاء الله - عز وجل - أن يستدعيه

(1) أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين 1/ 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت