فهرس الكتاب
أهل حرَّان لضم مدينتهم لدولته، حيث أصبحت بعد وفاة عز الدين مسعود بن البرسقي معرضةً لهجمات الصليبيين، وبالفعل ضمها عماد الدين زنكي في سنة 523هـ\ 1129م [1] ، وبذلك صارت الأوضاع مستقرة إلى حد كبير في هذه الدولة الجديدة.
ومع أن هذه الجهود التي كان يبذلها عماد الدين زنكي رحمه الله كانت تشير إلى ظهور قوة جديدة قد يكون لها شأن في تخليص المسلمين من كابوس الصليبيين، إلا أن تنامي هذه القوة لم يكن مريحًا لكل القوى المعاصرة!
لقد وجد السلطان سنجر - وهو سلطان السلاجقة في منطقة خراسان وبلاد ما وراء النهر - أن هذه القوة المتنامية قد تؤثِّر سلبًا في ممتلكات السلاجقة أنفسهم، فأشار على السلطان محمود ابن أخيه - وهو السلطان على منطقة فارس والعراق، والذي عيَّن عماد الدين زنكي في منصبه - أن يعزل عماد الدين زنكي ويولِّي مكانه دبيس بن صدقة! ودبيس بن صدقة هو أمير قبيلة بني مزيد، وكان متشيعًا هو وقبيلته، وكان قد أفسد قبل ذلك في بغداد، وقام بمحاولة انقلابية على الخليفة المسترشد بالله سنة 514هـ، أي منذ تسع سنوات، ولكنه كان قد لجأ إلى السطان سنجر، وأصبح من خاصَّته [2] ؛ ولذلك أراد السلطان سنجر أن يضعه في إمارة الموصل وحلب ليكون رجله في المنطقة، خاصةً أنه يضمن أن الخليفة لن يستقطبه لحسابه للخلاف القديم الذي بينهما!
إنها حرب المصالح والأهواء، حيث لم ينظر السلطان سنجر إلى مصلحة المسلمين، ولا إلى قضية جهاد الصليبيين، فطلب هذا الطلب من السلطان محمود، الذي لم يعارض تقديرًا لمكانة عمِّه، ومن ثَمَّ استدعى عماد الدين زنكي ليخبره بهذا التطور الجديد!
هكذا وبهذه البساطة!
وكادت هذه الفكرة تُنهِي على آمال المسلمين في الوحدة، وعلى قضية الجهاد في سبيل الله ضد الصليبيين، وأسرع عماد الدين زنكي إلى بغداد، حيث التقى مع السلطان محمود في مباحثات طويلة، واستعمل فيها كل ما أوتي من فكر ودبلوماسية لإقناع السلطان محمود بضرورة بقائه في هذا المنصب، وعدَّد له الأسباب التي من أجلها لا بد أن يستمر في مهمته، فكان منها:
أولًا: أنه لم يخطئ في منصبه، بل على العكس، لقد حقق نجاحًا غير مسبوق، وأفلح في ضم الموصل وحلب وحماة وسنجار وحرَّان، ومناطق الأكراد تحت راية واحدة.
ثانيًا: كل هذا النجاح يصبُّ في صالح السلطان محمود، حيث يحكم عماد الدين باسمه.
(1) ابن الأثير: الباهر ص37.
(2) انظر فيما يتعلق بهذه المشاكل: الحسيني: أخبار الدولة السلجوقية ص88 - 90.