فهرس الكتاب
ثالثًا: السلطان سنجر وإن كان عم السلطان محمود إلا أنه يحاول السيطرة على هذه المناطق لحسابه هو، وليس لحساب السلطان محمود؛ ولهذا يضع رجله هو في المكان، وذلك تمهيدًا لإقصاء محمود عن مكانته [1] .
رابعًا: من هو البديل؟ إنه دبيس بن صدقة الشخص المنحرف الذي أفسد قبل ذلك في بغداد، كما أنه متشيِّع بينما دولة السلاجقة بكاملها سُنِّيَّة.
خامسًا: دبيس بن صدقة شخصية استقلالية، ولا يستبعد أبدًا أن يستقل بحكم الموصل وحلب لنفسه، خاصةً وقد حاول أن يفعل ذلك مع مدينة بغداد نفسها.
سادسًا: دبيس بن صدقة سيحبط أهم مشروع عند المسلمين الآن، وهو مشروع جهاد الصليبيين؛ لأنه لم يقف قبل ذلك موقفًا سلبيًّا فقط، إنما تعاون معهم في حروبهم ضد المسلمين.
لهذه الأسباب مجتمعة فإن من مصلحة المسلمين، ومصلحة السلطان محمود نفسه، أن يستمر عماد الدين زنكي في منصبه.
وكان السلطان محمود كما يصوِّره ابن الأثير حليمًا عاقلًا [2] ، فلما استمع إلى هذه الكلمات والحجج وافق على إقرار عماد الدين زنكي في منصبه، بل وكتب له منشورًا جديدًا يؤكِّد فيه على منشوره السابق، وفيه يُقطِعه حكم الموصل والجزيرة وما استطاع أن يضمه من بلاد الشام [3] .
وهكذا مرت أزمة خطيرة كادت تعصف بالأمة دون أن يكون لها أثر في المسيرة التي بدأها عماد الدين زنكي.
ولعل هذا الموقف يطمئننا أن الله - عز وجل - يريد الخير لهذا الجيل؛ لأنه اطَّلع على الصدق في قلوبهم، فلو عُزِل عماد الدين زنكي وولي دبيس بن صدقة لكان في ذلك تعطيل واحد لحركة الجهاد ولنهضة الأمة، ولكن الله سلَّم.
عاد عماد الدين زنكي إلى الموصل وهو أكثر قوة، بعد أن نال تأييد السلطان محمود، كما أن الخليفة المسترشد بالله كان سعيدًا به؛ لأنه أقصى دبيس بن صدقة عن احتمالية حكم الموصل وحلب، مما كان سيشكِّل أزمة للخليفة لعداوته السابقة معه.
نظر عماد الدين زنكي إلى الوضع الآن، فوجد أنه أصبح قريبًا جدًّا من حدود إمارتي الرها في الشمال وأنطاكية في الغرب، فأيهما يبدأ؟
(1) عماد الدين خليل: عماد الدين زنكي ص51.
(2) انظر: ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 259.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 249، وابن واصل مفرج الكروب 1/ 40.