الصفحة 307 من 390

إن إمارة الرها - لا شك - أضعف من إمارة أنطاكية، ليس لمناعة حصون أنطاكية فقط، ولكن أيضًا لقوة المقاتلين النورمان في أنطاكية، ولكون التركيبة السكانية في الرها عبارة عن مزيج من الأرمن والصليبيين بكل المشاكل التي بينهما، والتاريخ الأسود الذي لا ينساه الأرمن، أما إمارة أنطاكية ففيها تجانس واضح، حيث يغلب عليها الطابع النورماني الكاثوليكي.

هذا الفارق بين الإمارتين جعل تفكير عماد الدين زنكي يتجه إلى الجهاد ضد إمارة الرها قبل إمارة أنطاكية.

لكن هناك مشكلة كبيرة تعوِّق مسيرة الجهاد إلى الرها!

إن إمارة الرها تقع في شمال منطقة الجزيرة، وعلى ضفاف نهر الفرات، وبقية شمال الجزيرة يقع الآن تحت حكم الأراتقة، والجيل الموجود الآن يختلف تمامًا عن الجيل السابق، فليس فيهم من يشبه سقمان بن أرتق أو إيلغازي بن أرتق أو بلك بن بهرام، إنما هناك شخصيات هشَّة في غاية الضعف، وقد قسمت بينها البلاد والعباد، وأضعفت المسلمين وشتتهم، ولا نبالغ إذا قلنا أن المنطقة أصبحت تضم عشرات الإمارات المستقلة، وكلها يجاور إمارة الرها، ويفصل بين عماد الدين زنكي وبين الإمارة الصليبية.

إن عماد الدين زنكي لو خاطر باجتياز أرضهم لقتال الصليبيين في الرها، فإنه سيعرِّض نفسه لعدة مخاطر:

أولًا: قد يُضرب في ظهره من هؤلاء الزعماء المسلمين أنفسهم؛ لأنهم سيعتبرونه خطرًا عليهم كما هو خطر على الصليبيين.

ثانيًا: قد يتعاون هؤلاء تعاونًا صريحًا مع الصليبيين، فتكون كارثة على جيش عماد الدين زنكي.

ثالثًا: إذا هُزِم جيش عماد الدين زنكي من إمارة الرها، فإلى أي الحصون سيلجأ؟ إن العودة إلى الموصل أو حران أو حلب تحمل مخاطر جمَّة لطول المسافة، فلا بد من وجود قاعدة قريبة ينطلق منها ويعود إليها.

رابعًا: هذه المناطق ذات كثافة سكانية عالية، وكل السكان من المسلمين، فلو توحدت قوتهم مع جيش عماد الدين زنكي كانوا إضافةً قوية، ولو قاوموه وعطَّلوا مسيرته، كانت مشكلة صعبة الحل.

لهذه الأسباب وجد عماد الدين زنكي أن ضم هذه المنطقة إلى حكمه خطوة لازمة قبل محاربة إمارة الرها؛ وعلى هذا بدأ عماد الدين زنكي يدرس الوضع هناك، ويقيِّم موازين القوى الرئيسية في المنطقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت