الصفحة 308 من 390

لقد كان هناك عشرات الزعماء في هذه المنطقة إلا أن القوة الرئيسية تعود إلى ثلاثة:

أما الأول فهو حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي الأرتقي، وهو - كما ذكرنا قبل ذلك - شخصيَّة تميل إلى الدَّعَة والرفاهية [1] ، ولا يضع قضية الصليبيين في حساباته، وكان يستقر في ماردين، ويمتلك عدة مدن بالإضافة إلى ماردين، لعل من أهمها مدينة نصيبين (على الحدود بين تركيا وسوريا الآن) .

أما الثاني فهو ركن الدولة داود بن سقمان الأرتقي، وهو أمير حصن كيفا، وكان رجلًا متصلبًا وفظًّا صعب المِرَاس.

وأما الثالث فهو سعد الدولة أبو منصور إيكلدي أمير آمد، وكان أضعفهم عسكريًّا [2] .

وجد عماد الدين زنكي أن أقرب المدن إلى مناطق حكمه هي مدينة نصيبين التابعة لحسام الدين تمرتاش، ولم يرد أن يكرِّر مشكلة دمشق، وقد علم أن المفاوضات السلمية لن تؤدِّي غالبًا إلى نتيجة، فذهب بسرعة في أوائل سنة 524هـ، وبعد عودته من بغداد، وحاصر مدينة نصيبين بجيشه، بينما كان حسام الدين تمرتاش في ماردين.

وجدت الحامية الأرتقية نفسها في أزمة كبيرة نتيجة قوة جيش عماد الدين زنكي بالقياس إلى قوة الحامية، ومن ثَمَّ أرسلت رسالة استغاثة عاجلة إلى حسام الدين تمرتاش في ماردين، فردَّ عليهم حسام الدين بأنه سيوفِّر لهم فرقة عسكرية في غضون ثلاثة أيام، مع أن المسافة بين المدينتين أقل من خمسين كيلو مترًا! مما يدل على عدم الجاهزية وقلة الحيلة! ثم أراد الله - عز وجل - أن تقع الرسالة التي أرسلها حسام الدين تمرتاش، وكان قد أرسلها على جناح طائر من الحمام الزاجل، في يد عماد الدين زنكي، فحوَّر ألفاظ الرسالة وجعل المدة التي ستأتي فيها النجدة عشرين يومًا بدلًا من ثلاثة! ثم أعاد إطلاق الطائر إلى داخل مدينة نصيبين، وقد أراد بذلك أن ييأس الجنود من المقاومة فيفتحوا الأبواب سلميًّا، وهو ما حدث بالفعل، وفتحت المدينة أبوابها ليضمها عماد الدين زنكي في سهولة، ودون إراقة دماء [3] !

وصلت الأخبار إلى حسام الدين تمرتاش، وشعر بالقلق الشديد، وتكلم مع بقية زعماء الأراتقة، وجمع الأعوان والأنصار منهم بقيادة ركن الدولة داود بن سقمان، وأبو منصور إيكلدي، وغيرهم من زعماء التركمان الموالين لداود بن سقمان، وتجمعت قواتهم في بلدة اسمها دارا، وبلغ تعدادهم عشرين ألفًا، وعلم عماد الدين زنكي بتجمعهم، فتحرك لهم على رأس فرقة من جيشه قوامها أربعة آلاف مقاتل فقط، ومع أن قوته صغيرة إلا أنه انتصر عليهم في فترة قصيرة جدًّا، وأتبع هذا الانتصار بالسيطرة على عدة حصون في المنطقة مثل: حصن دارا (صورة 7) ، وحصن سرجي [4] .

لقد كان هذا دليلًا على أنهم لا يملكون مقومات الاستقلال، إنما عاش كل منهم على بقعة صغيرة من الأرض، واعتبر نفسه زعيمًا وقائدًا، وعطَّل بذلك مسيرة الأمة، وشتَّت أمرها.

كانت هذه هي أول الصدامات مع الأراتقة، وكُلِّلت بنجاح سريع، وكان من الممكن أن تكون بداية جيدة لمسيرة واضحة تنتهي بضم إقليم الجزيرة بكامله إلى دولة عماد الدين زنكي، وذلك بكل ما في الإقليم من إمارات ودويلات لا وزن لها؛ كان من الممكن أن يحدث ذلك لولا الأنباء المفاجئة التي جاءت من إمارة أنطاكية!

والقصة أن أحد التجمعات الأرمينية في جبال طوروس القريبة من شمال أنطاكية تعرضت لهجوم بوهيموند الثاني أمير أنطاكية، فما كان من ليون الأول زعيم الإمارة الأرمينية إلا أن يستغيث بإيلغازي الدانشمندي زعيم ملطية [5] ، وحدث صدام بين الجيش الدانشمندي بقيادة إيلغازي، والجيش النورماني بقيادة بوهيموند الثاني، وكانت المفاجأة الكبرى أن سُحِق الجيش النورماني، بل وقُتِل بوهيموند الثاني في المعركة [6] !

وهكذا خلت أنطاكية من الزعماء!

لقد كان بوهيموند الثاني شابًّا صغيرًا، وكان متزوجًا من أليس ابنة بلدوين الثاني ملك بيت المقدس، ولم يكن له إلا ابنة صغيرة اسمها الأميرة كونستانس، ووفقًا لقوانين الإقطاع في غرب أوربا فإنَّ إمارة أنطاكية تنتقل إلى الوريثة الوحيدة، وهي الطفلة كونستانس! على أن يوضع وصيٌّ مناسب عليها حتى تبلغ سن الرشد، فوضعت أليس بنت بلدوين الثاني نفسها على الوصاية دون أن تنتظر رأي أبيها ملك بيت المقدس، وكان من الواضح أنها تطمح إلى الملك، بل وترامت الإشاعات في أنطاكية أنها تريد أن تحكم كأميرة مستقلة، وليست كوصية على الأميرة الصغيرة كونستانس [7] !

ووصلت الأنباء من أنطاكية بسرعة إلى كل مكان.

سمع عماد الدين زنكي بالأخبار فاهتم بها جدًّا؛ لأن حالة أنطاكية الآن مضطربة جدًّا، ولو استغل الفرصة، وباغتها بالهجوم فقد يستطيع أن يفتحها، ويخلِّص المسلمين من هذا الاحتلال.

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 227.

(2) انظر: محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص111.

(3) ابن الأثير: الباهر ص37،36.

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 255.

(5) ملطية: بلدة من بلاد الروم مشهورة تتاخم الشام. ياقوت الحموي: معجم البلدان 5/ 192.

(6) العظيمي: تاريخ حلب 2/ 679.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت