فهرس الكتاب
وكذلك وصلت الأخبار إلى بلدوين الثاني ملك بيت المقدس، فأسرع إلى أنطاكية ليختار الوصي المناسب.
ووصل بلدوين الثاني إلى أسوار أنطاكية أولًا، ففوجئ بكارثة أخرى! وهي أن ابنته أعلنت العصيان عليه واستقلت بالإمارة [1] ، بل وأرسلت إلى عماد الدين زنكي تعرض عليه مساعدتها في حكم أنطاكية على أن تعطيه جزية مالية كرمزٍ للتبعية [2] !
كانت هذه بالطبع فرصة ذهبية لعماد الدين زنكي لولا أن بلدوين الثاني استطاع أن يمسك بالرسول الذي يحمل رسالة أليس، بل وأعدمه [3] ، ثم تراسل مع رجال الحكومة في أنطاكية الذين وجدوا أن محاولة أليس هذه محاولة طفولية للاستئثار بحكم إمارة صليبية عسكرية؛ ففتحوا الأبواب لأبيها بلدوين الثاني الذي تملك الأمور بسرعة، ثم قام بنفي ابنته إلى مدينة اللاذقية [4] .
ومع أن بلدوين الثاني سيطر على الأوضاع في أنطاكية إلا أن عماد الدين زنكي أدرك أن الوضع في الإمارة لا بد أن يكون مضطربًا، ومن هنا أسرع عماد الدين زنكي بجيشه إلى حلب ليدرس الوضع هناك، فلعل الهجوم على أنطاكية الآن أفضل من الهجوم على الرها، وعليه فيمكن له أن يؤجِّل قصة الأراتقة إلى وقت لاحق، خاصةً أن قوتهم كما بدا له ضعيفة.
وجد عماد الدين زنكي أن أقرب الحصون التابعة لإمارة أنطاكية هو حصن الأثارب (خريطة 27) ، وقد فقده رضوان بن تتش سنة (504هـ) 1110م [5] ، أي منذ عشرين سنة كاملة، وهو أقوى حصون المنطقة مطلقًا، ويشرف مباشرة على مدينة حلب، ويسيطر على الطريق بين حلب وأنطاكية، ولأهميته القصوى وضع فيه الصليبيون فرقة من أمهر الفرسان في أنطاكية [6] .
رأى عماد الدين زنكي أن فتح هذا الحصن سيهزُّ أنطاكية هزة عنيفة، إضافةً إلى تأمين مدينة حلب؛ حيث كان الفرسان الصليبيون كثيرًا ما يخرجون من الحصن ليغيروا على مزارع حلب وفلاحيها ثم يعودون سالمين إلى داخل الحصن؛ ولذلك توجه عماد الدين زنكي مباشرة لحصار الحصن المهم، مستغلاًّ حالة الفوضى التي تعاني منها الإمارة.
لكن عماد الدين زنكي بخبرته العسكرية أدرك أن فتح الحصن صعب جدًّا، وقد تطول مدة الحصار دون فائدة، وهو في نفس الوقت لا يستطيع أن يهاجم أنطاكية في الغرب تاركًا هذا الحصن
(3) وليم الصوري: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 650.
(4) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 247،
(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 140، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 156،
(6) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 254.