فهرس الكتاب
الخطير في ظهره، فقام بحيلة ذكية؛ إذ توجه بجيشه في اتجاه أنطاكية موهمًا فرسان الأثارب أنه سيستغل ظروف أنطاكية في إسقاط المدينة الرئيسية، ومن الواضح أنه لم يظهر لهم قوته بكاملها، إذ رأى الفرسان في الحصن أن الخروج واللحاق بعماد الدين زنكي ممكن، وسينقذ الإمارة، وهكذا خرجوا بالفعل، فاستدرجهم عماد الدين زنكي بعيدًا عن الحصن، ثم فاجأهم بالقتال المباشر، وأسقطهم في كمين عسكري محترف، وما هي إلا ساعات قليلة وسقطت كتيبة الفرسان بكاملها بين قتيل وأسير [1] ! وعاد عماد الدين زنكي بسرعة إلى الحصن، ففتحه عنوة، وأسر الحامية التي بداخله، ثم أمر بتخريب الحصن؛ لكي يقطع على الصليبيين أي فرصة مستقبلية للسيطرة منه على حلب [2] .
لقد انتصر انتصارًا مهيبًا حقًّا، خاصةً أن هذه الفرقة الصليبية كانت من أمهر فرقهم وأقواها، ولم يكتف عماد الدين زنكي بذلك، بل انطلق صوب أنطاكية، فحاصر مدينة حارم القريبة جدًّا من أنطاكية، فعرضوا عليه أن يدفعوا له نصف دخل البلد، على أن يعقد معهم هدنة، ووجد عماد الدين زنكي أن قوته العسكرية لن تسمح له بفتح البلد، وكان رحمه الله حاسمًا جدًّا في قراراته، فأدرك أنه لن يستطيع فتحه، ومن ثَمَّ قَبِل بعرضهم، ورفع الحصار [3] .
لقد كانت حملة موفقة غاية التوفيق، أسقط فيها حصنًا منيعًا كحصن الأثارب، وأوقع فرقة صليبية ماهرة بين قتلى وأسرى، وضرب الجزية على مدينة حارم! وكانت كل هذه الأحداث في سنة (524هـ) 1130م.
وطار ذكر عماد الدين زنكي في الآفاق، وصار الحديث عنه كبطل المسلمين في حروبهم ضد الصليبيين، وبدا المسلمون يشعرون أن الجهود التي بُذلت لتوحيد المسلمين قد بدأت تؤتي ثمارها.
وحملت سنة 525هـ بعض الأخبار الجديدة التي تصب في مصلحة المسلمين، فقد شاء الله - عز وجل - أن يموت في هذه السنة (21 من أغسطس 1131م) بلدوين الثاني ملك بيت المقدس [4] ، وهو الملك صاحب الخبرة العريضة الذي حكم قبل ذلك إمارة الرها ثمانية عشر عامًا، ثم مملكة بيت المقدس ثلاثة عشر عامًا، وطَّد في كل هذه السنوات ملك الصليبيين، واكتسب مهارة فائقة وخبرة عميقة في التعامل مع المسلمين، وكذلك مع زعماء الصليبيين، وكان موته خسارة كبيرة للصليبيين، خاصةً أنه كان وصيًّا على إمارة أنطاكية بعد الظروف الصعبة التي مرت بها من قتل للأمير بوهيموند الثاني، والمؤامرة الفاشلة التي قامت بها أليس ابنة بلدوين الثاني للاستيلاء على الحكم.
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 254.
(2) ابن الأثير: الباهر ص39 - 42.
(3) ابن الأثير: الباهر ص42.