الصفحة 311 من 390

لقد كانت أزمة كبيرة لمملكة بيت المقدس وإمارة أنطاكية، خاصةً أن الذي تولى الحكم بعد بلدوين الثاني لم يكن له إلا خبرة بسيطة جدًّا في الأراضي الإسلامية، وهو الملك فولك الأنجوي [1] !

أما كيف وصل الأمير فولك الأنجوي إلى حكم مملكة بيت المقدس، فالقصة تبدأ من ثلاث سنوات (521هـ\ 1128م) حيث رغب بلدوين الثاني أن يزوِّج ابنته الكبرى من أمير يصلح لقيادة المملكة من بعده؛ وذلك لأنه لم ينجب إلا أربعة بنات كانت إحداهن هي أليس التي تزوجت من بوهيموند الثاني أمير أنطاكية، ومرت بنا قصتها، وحيث إن الملك بلدوين الثاني لم يجد في الزعماء الصليبيين في المنطقة من يصلح لهذا الزواج، فقد أرسل رسالة إلى لويس السادس ملك فرنسا في ذلك الوقت، وطلب منه ترشيح أحد الأمراء الأكفاء الذين يصلحون لهذا الشرف، وكان أن اختار ملك فرنسا أحد أهم الأمراء الفرنسيين، وهو فولك الأنجوي، وأرسله إلى بيت المقدس، واطمأنَّ له بلدوين الثاني، وزوجه فعلًا من ابنته ميلزاند، وأقطعه مدينتي صور وعكا، وحرص على تدريبه سياسيًّا وعسكريًّا، حتى إذا مات بلدوين الثاني اعتلى فولك الأنجوي مملكة بيت المقدس [2] ، وصارت له كل صلاحيات الملك الراحل، ومنها أنه أصبح وصيًّا على أنطاكية كذلك. ومن هنا فلا شك أن أوضاع الصليبيين ستصبح مضطربة، لا لقلة خبرة الملك فولك الأنجوي فقط، ولكن لأن الأوضاع في أنطاكية لم تكن مستقرة أبدًا بسبب أطماع الأميرة أليس بنت الملك بلدوين الثاني، والتي تم نفيها قبل ذلك إلى اللاذقية.

وشاء الله - عز وجل - أن يحدث أمرٌ آخر مهم جدًّا بعد هذه الأحداث بقليل، وهو وفاة جوسلين دي كورتناي أمير الرها المخضرم! وتولى من بعده ابنه جوسلين الثاني، الذي لم يكن يمتلك معشار خبرة أبيه [3] ، فكان هذا حدثًا كبيرًا مساعدًا للمسلمين، خاصة أنه يأتي في الوقت الذي تتنامى فيه قوة المسلمين تحت قيادة عماد الدين زنكي رحمه الله.

ثم إنه تزامن مع هذه الأحداث أمر آخر كان له من الآثار ما غيَّر من مسيرة الأحداث، ذلك أن دُبيس بن صدقة، وهو زعيم قبيلة بني مزيد الشيعي، الذي كان مواليًا للسلطان سنجر السلجوقي الرأس الأكبر للسلاجقة، وقع أسيرًا في يد بوري بن طغتكين، ولم يكن هذا الأسر في معركة ولا قتال، ولكن ضلَّ دبيس بن صدقة الطريق يومًا ما فوقع في يد حسان بن كلثوم الكلبي، فعرف شخصه وقيمته، فحمله إلى زعيم دمشق ليكون له يدٌ عنده!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت