فهرس الكتاب
وعرف عماد الدين زنكي بأسر دبيس بن صدقة لدى بوري بن طغتكين، فقام بمباحثات مع بوري بن طغتكين انتهت إلى تبادل الأسرى، حيث يأخذ عماد الدين زنكي دبيس بن صدقة، في نظير ردِّ سونج بن بوري بن طغتكين إلى دمشق [1] .
وتمت بالفعل الصفقة، وكان الجميع - بما فيهم دبيس بن صدقة - يتوقع أن يُؤذِي عماد الدين زنكي دبيسًا؛ لأنه كان رجلًا فاسدًا ومثيرًا للفتن، إضافةً إلى أنه كان منافسًا لعماد الدين زنكي على منصب إمارة الموصل وحلب، لكن عماد الدين زنكي بفقهه السياسي المعروف فعل عكس ما توقع الجميع [2] !
لقد استقبل عماد الدين زنكي دبيسًا استقبال الأمراء والزعماء، وقرَّبه وأكرمه، وعامله بما يعامل به أكابر الملوك! وهذا أثار تعجب الناس ودهشتهم، لكن عماد الدين زنكي كان يستقطب مثل هذه الرموز المحرِّكة فيستفيد منها، ويوجِّهها نحو خدمة الهدف العام لدولته [3] .
لقد كان دبيس بن صدقة من الشخصيات المؤثرة في المجتمع في ذلك الوقت، مع الاعتراف تمامًا أن تأثيره كان سلبيًّا ولم يكن إيجابيًّا، إلا أنه يستطيع توجيه قبيلة كبيرة تسيطر بشكل كبير على وسط العراق، وخاصةً منطقة واسط والحلَّة، ولن يُقدِم مثل هذا الرجل على محاولته القديمة الفاشلة بقلب نظام الحكم في بغداد إلا وهو يملك مقومات كثيرة تدفعه إلى هذه الفكرة؛ فلماذا لا يشتري عماد الدين زنكي ولاءه في هذا الموقف، فيضمن وقوفه إلى جانبه في مشاريعه الضخمة لتوحيد المسلمين ولجهاد الصليبيين؟ أو على الأقل فإنه سيضمن تحييده، وعدم التدبير له؟
إن قبيلة دبيس بن صدقة لن تختفي من الساحة، بل سيظهر من يقودها في حال غياب دبيس، فلماذا لا يوجِّه عماد الدين زنكي دفَّة القبيلة عن طريق دبيس بن صدقة نفسه؟
ثم إن دبيس بن صدقة كان مقربًا للسلطان سنجر أعلى سلطة في الدولة السلجوقية، ومثل هذا الفعل من عماد الدين زنكي يُهدِّئ من روع هذا السلطان، الذي كان يريد تولية دبيس مكان عماد الدين زنكي، فسيرى الآن أن عماد الدين زنكي يحفظ أصدقاء السلطان ومقربيه.
وهذا العمل من عماد الدين زنكي لن يكون منتقدًا من السلطان محمود سلطان فارس والعراق؛ لأنه لم يكن يمانع منذ سنتين أن يولِّي دبيسًا إمارة الموصل وحلب، لولا قوة حجة عماد الدين زنكي وحسن بيانه.
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 258، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص368،367.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 259،258.
(3) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام 4/ 71.