فهرس الكتاب
على أن السلبية الوحيدة التي تظهر في هذا العمل هي أن هذا الفعل سيغضب الخليفة المسترشد الذي كان يكره دبيس بن صدقة كراهية شديدة؛ لأنه كان يريد أن يخلعه من منصبه، وهذه كبيرة لا تغتفر عند الخلفاء، ولا تُنسى أبد الدهر؛ ولذلك فمن المتوقع أن يعترض المسترشد بالله على هذا الموقف من عماد الدين زنكي، ولكن عماد الدين زنكي كان محدِّدًا وجهته من البداية، وكان واضح الرؤية تجاه مراكز القوى الحقيقية في المنطقة؛ ولذلك فولاؤُهُ سيكون أقرب إلى السلطان سنجر والسلطان محمود لا إلى الخليفة المسترشد حتى لو أظهر بعض القوة!
وغني عن البيان أن عماد الدين زنكي لم يقدِّم أي تنازل عقائدي أو فقهي أو فكري للقائد الشيعي دبيس بن صدقة، إنما كان تعامله معه من باب السياسة وتقريب وجهات النظر في العمل الإسلامي، لا من باب الرضا بمخالفات دبيس بن صدقة في الفقه والعقيدة، أو التقريب بين مذهبين متباعدين.
وكما كان متوقعًا فإن هذا الموقف من عماد الدين زنكي أثار ارتياحًا عند السلطان سنجر والسلطان محمود، بينما أثار غضبًا شديدًا عند الخليفة المسترشد بالله، الذي راسل عماد الدين زنكي يطلب تسليم دبيس بن صدقة إليه، وكان من المحال طبعًا بعد أن فعل عماد الدين زنكي كل ذلك أن يُسلِّم دبيس بن صدقة ليُقتل؛ فرفض طلب الخليفة مما أوغر صدره على عماد الدين زنكي بشدة [1] .
إذن كرؤية عامة للأوضاع في أوائل ومنتصف سنة 524هـ، فإن أسهم عماد الدين زنكي كانت بصفة عامة قد ارتفعت جدًّا بانتصاراته الباهرة على الصليبيين في حصن الأثارب وفي حارم، وصار مقربًا جدًّا إلى قلوب العامة، وامتلك الكثير من الأوراق الضاغطة، خاصةً بعد إخضاع مدن نصيبين ودارا؛ مما أعطى الانطباع أنه يريد أن يتوجه إلى الرها، وبعد أن أنقذ دبيس بن صدقة من الأسر، مما يشير إلى رغبته في استغلال كل القوى لهدفٍ واحد واضح، هو وَحْدة المسلمين وجهاد الصليبيين.
وإضافةً إلى هذه الصورة الطيبة فإن أوضاع الصليبيين كانت مضطربة للغاية، حيث مات بلدوين الثاني وجوسلين دي كورتناي، وتولى فولك الأنجوي حديث الخبرة بالمنطقة، وكذلك جوسلين الثاني الأضعف كفاءةً وشجاعة من أبيه، غير الاضطرابات الطاحنة التي كانت في أنطاكية.
كان هذا الوضع يشير إلى أن الفترة القادمة ستكون فترة علوٍّ للمسلمين، وقلاقل وخسائر للصليبيين.
لكن كثيرًا ما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن!
(1) انظر: حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام 4/ 71.