الصفحة 360 من 390

وإزاء هذا الوضع الجديد، وقد ذاع صيت عماد الدين زنكي في كل مكان، واعترف الجميع بفضله وجهده، وصار له الدعاء على كل منابر المسلمين، فكر السلطان مسعود فيما يجب أن يفعله مع عماد الدين زنكي! إنه لا يستطيع الآن أن يهاجمه أو يأمره بشيء يغضبه؛ لأن عموم جمهور المسلمين سيقف مع عماد الدين زنكي لا شك؛ ولذلك فكر السلطان مسعود في احتواء عماد الدين زنكي، والتعامل معه كقائد كبير من قواده، وبالتالي أرسل له فورًا التشريفات والخلع، وهنَّأه بالنصر الكبير، وبالإنجاز الذي حققه للمسلمين، وعامله كأمير من أمرائه التابعين له، لا كقائد دولة منفصلة عنه، وقَبِل عماد الدين زنكي هذا الأسلوب، فهو لم يكن يريد أن يدخل في صراعات لا معنى لها، إنما كان يريد أن يفرِّغ كل جهده لتوحيد المسلمين، ولإخراج الصليبيين من الأرض الإسلامية [1] .

وهكذا انتهت سنة 532هـ نهاية سعيدة على المسلمين، بعد أن وضحت الرؤية لعموم الناس، وأضحى هناك أمل كبير في إخراج الصليبيين بعد أن عرف المسلمون طريق الوحدة والجهاد.

وقبل أن نترك هذه السنة المتميزة في تاريخ هذه الفترة نشير إلى حدث مهم شهدته هذه السنة، ولم يلفت أنظار الناس آنذاك، وإن كان أثره في المسلمين - بل على العالم - بعد ذلك سيصبح كبيرًا جدًّا. وهذا الحدث هو ميلاد البطل الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي! ومن عجيب الأمور أن صلاح الدين الأيوبي وُلِد في اليوم الذي عُزِل فيه أبوه نجم الدين أيوب من قيادة قلعة تكريت بعد خلاف حدث بينه وبين رئيس الشرطة في بغداد مجاهد الدين بهروز، لدرجة أن أباه في بادئ الأمر كان يتشاءم منه؛ لأنه ولد في اليوم الذي فقد فيه علمه [2] ! ولم يكن يدرك أن صلاح الدنيا والدين سيكون في حياة هذا الوليد!

ولقد رحل نجم الدين أيوب ومعه أخوه أسد الدين شيركوه من تكريت إلى إمارة الموصل ليكونا في خدمة البطل عماد الدين زنكي، وقد مر بنا قبل ذلك أن نجم الدين أيوب كان قد ساعد عماد الدين زنكي في عبور دجلة سنة 526هـ عند هزيمة عماد الدين زنكي من الخليفة المسترشد، وقد قدَّم نجم الدين أيوب يومها العون كله لعماد الدين زنكي، وآواه في القلعة عدة أيام؛ ولذلك عندما وقعت له هذه الأزمة فكر في اللجوء إلى عماد الدين زنكي كي يجد العون عنده. وقد كان عماد الدين زنكي عند حسن ظن نجم الدين أيوب، فأحسن استقباله، وأقطعه بعض الإقطاعات ليختبر مهارته في القيادة؛ تمهيدًا لتوليته منصبًا أكبر إذا أثبت كفاءته. وهكذا توطدت العَلاقة بين عماد الدين زنكي ونجم الدين أيوب، وهذا هو الذي سيجعل العلاقة بعد ذلك قوية بين ابن عماد

(1) حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي 4/ 75.

(2) ابن خلكان: وفيات الأعيان 7/ 145،144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت