الصفحة 359 من 390

ثم وضع كمال الدين رجلًا آخر يقوم بنفس الفعل في مسجد السلطان، ليتبعه الجميع بعد ذلك إلى دار السلطان أيضًا.

لقد كانت خطة لإثارة الجماهير في بغداد، لتضغط شعبيًّا على السلطان، وذلك بصورة تخيفه من حدوث انقلاب عليه، وهذا - لا شك - سيثير السلطان، خاصةً والصراع ما زال مستمرًّا مع ابن أخيه داود بن محمود حول كرسيِّ السلطنة، وقد يصطاد الملك داود في الماء العكر، ويحرِّك الناس لجهاد الصليبيين، وهذا سيسبِّب حرجًا كبيرًا للسلطان مسعود!

ونجحت الخطة، وتحركت الجماهير الغاضبة تصيح: واإسلاماه، وامحمداه. وكانت مظاهرة ضخمة أرعبت السلطان، وصاح من فوره: احضروا لي ابن الشهرزوري! فأُحضر له، فقال السلطان:"أي فتنة أثرت؟!"فردَّ كمال الدين:"ما فعلت شيئًا، أنا كنت في بيتي، وإنما الناس يغارون للدين والإسلام، ويخافون عاقبة هذا التواني". فقال السلطان مضطرًّا:"اخرجْ إلى الناس ففرِّقهم عنَّا، واحضرْ غدًا واخترْ من العسكر ما تريد!".

فخرج كمال الدين الشهرزوري إلى الناس، وسكَّنهم وعرَّفهم أن السلطان سيجهز الجنود لنجدة المسلمين في الشام. وفي الغد ذهب كمال الدين الشهرزوري إلى السلطان فوجده قد جهَّز جموعًا عظيمة من الجند، لدرجة أن كمال الدين خاف من هذه الجموع الكبيرة، وتوقع أن السلطان ينوي أن يضم الشام إلى أملاكه بعد أن يحارب البيزنطيين والصليبيين، فأرسل كمال الدين الشهرزوري بسرعة إلى نصير الدين بن جقر أمير الموصل يستشيره، ولم يرسل لعماد الدين زنكي لبُعد المسافة، فقال نصير الدين:"البلاد لا شك مأخوذة، فلأن يأخذها المسلمون خير من أن يأخذها الكافرون!".

لقد كان نصير الدين يتمتع بنفس الرؤية التي عند عماد الدين زنكي، فأجاب بنفس الكلمات التي أجاب بها عماد الدين زنكي عندما اعترض عليه الناس حين فكَّر في استقدام السلطان مسعود.

وهكذا تجهزت الجيوش وأوشكت على الرحيل، إلا أنه في الوقت الذي كادت أن تتحرك فيه وصلت رسالة عاجلة من عماد الدين زنكي يخبر فيها كمال الدين الشهرزوري برحيل الإمبراطور البيزنطي، وبانتصار المسلمين، ومن ثَمَّ فلا داعي لحركة الجيوش من بغداد إلى حلب [1] !

وبهذا تكون الأمور - بفضل الله - قد سارت لصالح عماد الدين زنكي، ولم يضطر إلى الدخول في مواجهة قد تكون مؤسفة مع جيوش السلطان مسعود.

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 303، والباهر ص63،62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت