الصفحة 358 من 390

عماد الدين زنكي أن يتزوج زواجًا سياسيًّا مهمًّا يكفل له التقرب من حاكم دمشق شهاب الدين محمود بن بوري، وهكذا طلب عماد الدين زنكي الزواج من صفوة الملك زمرد خاتون أم شهاب الدين محمود في مقابل أن يأخذ مدينة حمص!

وقد يتساءل أحدٌ: كيف يتزوج ثم يأخذ حمص بدلًا من أن يُعطِي هو شيئًا؟! فنقول أنه - ولا شك - قد دفع الكثير من أمور المهر والهدايا الثمينة إلا أنه يطلب حمص في مقابل الشرف الكبير الذي تناله مَن تتزوج من عماد الدين زنكي رحمه الله!

فعماد الدين زنكي الآن يحكم أكبر إمارة في العالم الإسلامي، ثم إنه البطل المغوار الذي يحقق الانتصارات المتتالية على الصليبيين والبيزنطيين. ولا شك أن الارتباط بهذا الرجل شرف ما بعده شرف.

وقد تم لعماد الدين زنكي ما أراد فعلًا، ووافق شهاب الدين محمود على هذا الزواج، وتم فعلًا في نفس الشهر أيضًا، أي في شهر رمضان 532هـ [1] ، وهكذا دخلت حمص في إمارة عماد الدين زنكي!

وقبل أن نترك الأحداث في هذه الفترة نريد أن نعرف ماذا تم في أمر الاستغاثة التي أرسلها عماد الدين زنكي إلى السلطان مسعود السلجوقي في بغداد، والتي حملها القاضي كمال الدين الشهرزوري!

لقد وصل كمال الدين إلى بغداد بسرعة، والتقى بالسلطان مسعود، وعرَّفه عاقبة التواني عن نصرة المسلمين في أرض الشام، وخوَّفه بما يفهمه من أمور ضياع الملك والسلطان، فأخبره أن البيزنطيين إذا ملكوا حلب فإنهم سينحدرون مع نهر الفرات إلى بغداد نفسها، فتحتل عاصمة الخلافة!

ماذا كان ردُّ فعل السلطان السلجوقي مسعود؟!

يقول ابن الأثير رحمه الله:"فلم يجد عنده حركة!!".

أي أن السلطان قابل الأمر ببرود شديد، وكأنه جمادٌ لا روح فيه! فلم يُبْدِ أي انفعال، ولم يظهر عليه أي تأثُّر، وكأن القضية لا تعنيه بالمرَّة!

خرج القاضي كمال الدين الشهرزوري محبطًا من عند السلطان مسعود، ولكنه فكر أن يمارس عليه ضغطًا يحرِّك حميَّته! لقد أمر كمال الدين أحد أصحابه أن يمضي إلى جامع القصر، وهو الجامع الذي يصلي فيه الخليفة، وأن يأخذ معه مجموعة من الأعوان، ثم بمجرد صعود الخطيب إلى المنبر يقوم هذا الرجل، ويقوم معه أصحابه فيصيحون جميعًا:"واإسلاماه، وادِينَ محمَّداه"، ثم يشق ثيابه، ويلقي عمامته، ثم يخرج إلى دار السلطان يستغيث ويستغيث معه الناس.

(1) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت