فهرس الكتاب
أما بطلنا الحبيب فلم يكتفِ بهروب القوات النصرانية بهذه الطريقة المشينة، إنما تحرك في خطوات سريعة، ليثبت للجميع أنه لم يتنفَّس الصعداء لأن الجيوش البيزنطية والصليبية رحلت، بل هم الذين يجب أن يتنفسوا الصعداء لنجاتهم بحياتهم من أيدي المسلمين!
ماذا فعل بطلنا العظيم؟!
أولًا: أسرع عماد الدين زنكي رحمه الله بجيشه خلف الجيش البيزنطي يطارده، واستطاع أن يصطدم مع مؤخرة الجيش البيزنطي، وأن يقتل ويأسر ويغنم [1] ، مما جعل البيزنطيين يُسرِعون الخُطَا في اتجاه بلادهم.
ثانيًا: تحرك عماد الدين زنكي بسرعة ليسيطر على آلات الحصار الثقيلة التي كان ينصبها البيزنطيون حول أسوار حلب، فهذه آلات متطورة الصنع باهظة التكاليف، وهي غنيمة عظيمة غالية. واستطاع بالفعل أن يستولي على معظمها، واضطر البيزنطيون إلى حرق البقية لعدم مقدرتهم على الحركة السريعة وهم يجرون هذه الآلات الضخمة [2] .
ثالثًا: أرسل عماد الدين زنكي سرية بقيادة صاحبه صلاح الدين الياغيسياني لإعادة فتح كفرطاب، وإخراج الحامية البيزنطية منها. وأفلح صلاح الدين الياغيسياني في ذلك في نفس الشهر الذي رحلت فيه القوات البيزنطية، أي في رمضان سنة 532هـ [3] .
رابعًا: فعل عماد الدين زنكي ما هو أعظم من ذلك، إذ استغل هذا النصر الكبير، وتحرك حركة مفاجئة في اتجاه حصن عرقة، وهو من الحصون التابعة لإمارة طرابلس، واستطاع بعد حصار طويل وقصف مستمر أن يُسقِط الحصن، وأن يأسر مَن به من الصليبيين [4] . وكانت حركة في منتهى الذكاء منه، إذ كان المتوقع أن يهاجم إمارتي أنطاكية والرها انتقامًا من زعيميهما اللذين شاركا الإمبراطور البيزنطي في الحملة، إلا أنه هاجم إمارة طرابلس التي لم تكن مستعدة لهذا الهجوم المباغت.
خامسًا: لم ينس عماد الدين زنكي قضية توحيد الأمة، ومن ثَمَّ فبمجرد رحيل القوات البيزنطية، وأثناء رمضان سنة 532هـ، عاد عماد الدين زنكي بسرعة إلى حصار حمص آملًا أن يفلح في إسقاطها. وهكذا لم يترك عماد الدين زنكي فترة في حياته للراحة حتى بعد هذا الجهد الكبير الذي بُذِل حول أسوار شيزر.
لكن في هذه المرة التي حاصر فيها عماد الدين زنكي رحمه الله مدينة حمص، فكر أن يأخذها بطريقة أخرى توفِّر عليه كثيرًا من العناء، وقد تفتح الباب لضم مدن أخرى في المستقبل! لقد فكر
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 303، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 268.
(2) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 268.
(3) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 268.
(4) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 84.