الصفحة 356 من 390

عاشرًا: إذا انسحب الإمبراطور البيزنطي دون أي نتيجة فقد يتعرض للوم كبير في البلاط البيزنطي قد يؤثِّر في منصبه، أما الآن فأمامه فرصة كبيرة أن يحقِّق شيئًا، وذلك أن يقبل بالمبلغ الضخم الذي سيدفعه أمير شيزر تعويضًا عن نفقات الحرب الباهظة، كما أنه سيترك حامية في مدينتي بزاغة وكفرطاب لتُصبِحا قواعد متقدمة للجيش البيزنطي في أرض الشام، وسوف يعود الإمبراطور البيزنطي مسرعًا إلى مدينة أذنة ليحميها من السلاجقة الروم والدانشمنديين، وقد يحقق انتصارًا عليهما يرفع قليلًا من أسهمه، ويعوِّضه عن حملته الفاشلة إلى بلاد الشام!

إذن باستعراض هذه الأمور العشرة التي جالت في ذهن الإمبراطور ندرك أن التحليل المنطقي، والتفكير السليم يقضيان بأن يأخذ الإمبراطور البيزنطي القرار الجريء بالانسحاب الفوري من حوله أسوار شيزر، قابلًا بالطرح الذي قدمه أمير المدينة، وذلك قبل أن يفقد كل شيء، ولا يجد حتى هذا الطرح أمامه!

وهذا هو الذي حدث بالفعل!

وأعلن الإمبراطور البيزنطي الكبير انسحابه وجميع القوات المتحالفة من حول مدينة شيزر بعد ثلاثة وعشرين يومًا من الحصار [1] !

لقد أعلن الإمبراطور البيزنطي بوضوح فشله في كسر الإرادة الإسلامية!

لقد كان نصرًا خالدًا حقًّا!

لقد رحلت الآلاف المؤلفة من قوات التحالف البيزنطي الصليبي لتنجو بنفسها من أَتُّون المسلمين المحرق!

لقد رحلوا وهم لا يلوون على شيء! رحلوا رحيلًا مخزيًا مشينًا! لم ينظروا فيه إلى هيبتهم أو مكانتهم أو تاريخهم أو حتى مستقبلهم.

لقد كان يومًا من أيام الله المشهورة، سمع به العالم أجمع، وتكلم عنه المسلمون والنصارى، ولفت أنظار المؤرخين الغربيين والشرقيين، وصار علامة محفورة في أذهان أجيال وأجيال.

كانت هذه الأحداث في شهر رمضان 532هـ\ مايو 1138م، أي بعد أقل من سنة على موقعة فتح بارين التي انتصر فيها عماد الدين زنكي على جيوش إمارة طرابلس المتحدة مع مملكة بيت المقدس. وهكذا صار عماد الدين زنكي بلا جدال البطل الإسلامي الأول، ولم يكن أحد يستطيع إنكار هذه الحقيقة حتى لو كان في داخله يرفضها، وصار لفظ"الدولة الزنكية"مقبولًا جدًّا، فهذه هي الدولة الأولى بلا منازع في عالم الإسلام.

(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص266، وأسامة بن منقذ: الاعتبار ص114،113، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 268.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت