الصفحة 388 من 390

وبعد ..

طوينا معًا في هذه الرحلة عددًا من صفحات التاريخ الإسلامي، ولا شك أن تفاصيل هذه المرحلة المهمة من تاريخ الأمة الإسلامية أكثر مما ذكرنا بكثير، ولولا خوفنا من أن نثقل على القارئ بكمٍّ هائل من الصفحات والمعلومات لضاعفنا هذا الكتاب.

إنها صفحة من أهم صفحات التاريخ حقًّا، فيها تنوعات كثيرة من البشر؛ حيث رأينا الصالح والطالح، ورأينا المجاهد في سبيل الله، وكذلك رأينا المقاتل في سبيل الكرسيِّ والسلطان، وهي تنوعات طبيعية في البشر، (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [1] .

ولا يخفى على أحدٍ أننا لم ندرس هذه التنوعات، ولم نقرأ عن هذه القصص؛ لمجرَّد اختزان المعلومات، أو التندُّر بالروايات، إنما قرأناها ودرسناها لنبحث عن العِبْرة، ونستخرج الدروس، ونطبِّق قول ربِّنا سبحانه وتعالى:

(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [2] .

ولهذا فإنني أردتُ أن أقف هذه الوقفة لننظر نظرة شاملة إلى القصة، فنخلص إلى بعض الدروس المستفادة، والتي من الممكن أن تؤثِّر إيجابيًّا على مسيرة الأمة، وعلى نهضة المسلمين. ولا شك أن هذه ليست كل الدروس، فهي أكثر من أن تحصى، ولكننا فقط نفتح الباب للتدبُّر، والأمر بعد ذلك متروك لعموم المسلمين، كلٌّ ينهل بحسب توفيق الله له.

العبرة الأولى: نحن لا نعرف تاريخنا حقًّا!

لقد تصفحنا معًا قصة خمسين سنة فقط من تاريخ الأمة، وفي جانب واحد من جوانبها، وهو جانب الحروب الصليبية، وما تعلق بها من أمور، وفي منطقة واحدة من مناطق العالم الإسلامي، وهي منطقة الشام والعراق، ومع ذلك فأنا على يقين أن معظم القُرَّاء يقرءون هذه الأحداث للمرة الأولى في حياتهم!

مَن مِن بين القراء سمع قبل ذلك عن مودود بن التونتكين؟!

مَن سمع عن سقمان بن أرتق أو إيلغازي بن أرتق أو بلك بن بهرام؟

من يعرف ملكشاه ونظام الملك؟

من قرأ قبل ذلك عن موقعة فتح بارين أو عن حصار شيزر؟

بل من يعرف عماد الدين زنكي نفسه؟!

(1) (فاطر: 32) .

(2) (يوسف: 111) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت