فهرس الكتاب
ولا أقصد بالمعرفة هو معرفة الاسم، ولكن أعني صفات الشخصية، وطريقة التربية، ومنهاج الحياة، وتفاصيل الجهاد.
هل يستطيع أحدٌ أن يشرح لأبنائه ومجتمعاته الطريقة التي تكوَّن بها عماد الدين زنكي حتى وصل إلى ما وصل إليه؟! إننا رأينا منهجًا واضحًا في تربيته، وطريقة ثابتة في تنشئته. إننا نحتاج حقًّا أن ندرس كل تفاصيل حياته لنُخرِج لأمتنا أمثالَ عماد الدين زنكي.
ثم إننا في هذه القصة لم نتكلم إلا على الأحداث المتعلقة بقصة الحروب الصليبية، وبالتالي فإننا لم نتحدث عن تفاصيل حياة العلماء المعاصرين، ولم نتحدث عن إنجازات المسلمين في هذه الفترة في مجالات الطب والهندسة والفلك والجغرافيا وغير ذلك من علوم، ولم نتحدث عن المنشآت العمرانية والإسهامات الفنية، ولم نتحدث عن الحياة الاقتصادية أو المشاريع التجارية، ولم نتحدث عن الحركة الثقافية أو النهضة الشعرية!
إننا أغفلنا الحديث عمدًا عن آلاف الصور الحضارية لأنها غير مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقصة الحروب الصليبية، أما إذا فتحنا المجال للحديث فيها فإننا سنرى صورًا باهرةً تحتاج إلى عشرات المجلدات للتحليل والدراسة.
وكل ما ذكرناه هنا هو نتاج الحياة في أرض الشام والعراق فقط!
فإذا وسَّعنا النظرة لتشمل الوضع التاريخي لكل بلاد الإسلام في هذه الفترة، فشملنا بذلك الأندلس وبلاد المغرب وغرب إفريقيا، ومصر والسودان وشرق إفريقيا، واليمن ووسط آسيا وأفغانستان وإندونيسيا والهند، وغيرها من بلدان العالم الإسلامي في ذلك الوقت، وكلها كانت تشهد أحداثًا ساخنة، وقصصًا متنوعة؛ إذا وسَّعنا النظرة بهذه الصورة أدركنا أن تاريخنا كنز لا حدود له، وأن الدروس التي نستطيع استخراجها أكثر من أن تحصى، ولأدركنا في نفس الوقت مدى القصور الذي تعاني منه وسائل تربيتنا، حتى وصلنا إلى هذه الحالة من الجهل بتاريخنا والإهمال له!
إن الأزمة حقيقةً مركَّبةٌ!
إن المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية تحتاج إلى مراجعة كبيرة، كما أن علماء الشريعة ومفكري الأمة ومصلحيها يحتاجون إلى إعادة تخطيط لبرامجهم؛ لتشمل قضية التاريخ الإسلامي، فتخرج لنا الدرر الكامنة، وتدافع عن الشبهات المثارة، وتبرز القدوات الصالحة، وتستفيد من الدروس الهائلة.
إنه ليس مجهود فرد أو أفراد، بل مجهود أُمَّة!!
العبرة الثانية: التدافع سنة كونية!