فهرس الكتاب
رأينا في هذه القصة أن الصليبيين جاءوا من غرب أوربا بحجج واهية، ومنطق مغلوط؛ ليقتحموا الديار الإسلامية، ويضرموا نار الحرب لمدة عشرات السنين. ورأينا أن الصدام كان منذ اليوم الأول، ولم تهدأ وتيرته لحظة واحدة طوال القصة، ولم يكن هناك وسيلة بحال من الأحوال قابلة لإقناعهم بالعودة إلى ديارهم وترك بلاد المسلمين، ومن ثَمَّ كان لا بد من الصدام العسكري، وما حدث هذا هو سُنَّة ماضية من سنن الكون؛ فلا بد أن يوجد خيرٌ وشرٌّ، وحق وباطل، وإيمان وكفر، وهذا كله يستمر إلى يوم القيامة، وطالما هو مستمر فسيكون هناك حرب وقتال، وضرب ونِزَال، ولا مهرب من هذه الحقيقة مهما وزَّع السياسيون الابتسامات، ومهما أظهروا الوُدَّ والألفة والتعايش!
إنها سُنَّة ماضية، اسمها سُنَّة التدافع؛ يقول تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [1] . ويقول أيضًا: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا [2] .
إننا لا نذكر هذه الحقائق لنحفِّز المسلمين على القتال، ونحضهم على الشراسة؛ إنما نقوله ليأخذ المسلمون حذرهم، وليفهموا أعداءَهم، ولكي لا نسمح لأحد من المخادعين أن يخدِّرنا بمعسول القول، أو بطيب الكلام. ونقوله أيضًا ليكون المسلمون على استعدادٍ دائم، وهمَّة مستمرة؛ فلحظة نوم أو سكون أو فتور قد يعقبها احتلال يدوم عشرات السنين!
العبرة الثالثة: نحن لا ننهزم لقوتنا بل لضعفنا!
في هذه القصة المثيرة رأينا أن المسلمين لم يُهزموا لكثرة أعداد الكافرين، ولا لقوة عتادهم؛ إنما هُزموا في الأساس للضعف الذي أصابهم من أكثر من وجه، ولا شك أن الله - عز وجل - لا يُسْلِم المسلمين للكافرين إلا لعيوب مركَّبة، وأمراض خطيرة.
ولقد رأينا في هذه القصة بُعدًا هائلًا عن الدين، وإهمالًا شنيعًا للشريعة، وترسُّخًا للفساد والظلم والمنكر، وسيطرة لأصحاب الأهواء والنفوس المريضة. ورأينا أيضًا إيثارًا للدنيا على الآخرة، وتمسُّكًا بأعراض بسيطة من المتاع والملك، وبَيْعًا صريحًا للدين والأرض والعرض في سبيل التمسك بالحياة أو بالسلطان. ولقد رأينا الشعوب تخرج بالهدايا والورود تستقبل الصليبيين المجرمين، ولم يكن هذا الاستقبال المهين إلا ليتركوهم يعيشون، فقط يعيشون، حتى لو كانت هذه المعيشة في ذُلٍّ وهَوَان.
(1) (البقرة: 251) .
(2) (البقرة: 217) .