أيضًا: إنه كان بعد الإمام إسماعيل خمسة أئمة مستورين، ثم الإمام الثالث عشر هو المهدي مؤسس الدولة العبيدية. ويدَّعون في أئمتهم أشياء عجيبة وخوارق منكرة، ووصل الأمر إلى ادِّعائهم أن الله - عز وجل - حلَّ في أئمتهم - تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا - ولذلك فهناك منهم من ادَّعى الألوهية وليس النبوة، ومن أشهرهم الحاكم بأمر الله الذي كان زعيمًا لدولتهم في مصر، وهو الذي خاطبه الشاعر بقوله:
ما شئتَ لا شاءت الأقدار *** فاحكمْ فأنتَ الواحد القهارُ
وأنشأ هؤلاء الفُسَّاق الجامع الأزهر في مصر لينشر سمومهم وأفكارهم المتطرفة، ولكن ردَّ الله كيدهم في نحورهم، فأصبح الجامع الأزهر على مدار عدة قرون من مراكز إشعاع السُّنة في العالم. وكانوا يُظهِرون سبَّ الصحابة بل والأنبياء، بل ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ومن ذلك ما كان ينادي به القائم بن المهدي في الأسواق:"العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار وما حوى". وكانوا يضربون عنق من أظهر حُبَّ أبي بكر أو عمر، ويقطعون لسان من قال في الأذان (حي على الفلاح) ؛ لأنهم يستبدلون بها (حي على خير العمل) ، ومنكرات أخرى كثيرة مطولة مسجلة في كتب التاريخ [1] .
لقد كانت هذه الدولة الخبيثة هي التي تحكم مصر في ذلك الوقت، بل وإنها انقسمت على نفسها في سنة (487هـ) 1094م، عندما تُوفِّي خليفتهم المستنصر، وتكوَّنت فرقتان كبيرتان؛ الأولى هي التي تقطن بمصر وتحكمها، وهي المستعلية (نسبة إلى المستعلي بن المستنصر) . أما الفرقة الثانية فهي أشد شرًّا من كل ما سبق وهي فرقة النزارية، وهي المنتسبة إلى نزار بن المستنصر أخي المستعلي بن المستنصر، وهذه الطائفة ألغت الشعائر الدينية، وامتنعوا عن إقامة الفرائض، ومع ذلك ظلوا يدَّعون الإسلام، وهم الذين عرفوا في التاريخ باسم الباطنية، وهم يُظهِرون شيئًا ويبطنون أشياء أخرى، وكان من همِّهم الأكبر قتل علماء السُّنة ومجاهديهم، وسيكون لهم أثر سلبي شديد على حركات الجهاد التي تهدف إلى إخراج الصليبيين من أرض المسلمين، وكان هؤلاء الباطنية أهل حرب وحصون وقلاع، وبأس شديد في القتال، وكانوا يشنِّون حروب العصابات على القرى الآمنة، وعاثوا في الأرض فسادًا، وكانوا أشدَّ على المسلمين من الروم والصليبيين.
أما الطائفة التي كانت تحكم مصر في أواخر القرن الخامس الهجري، أيام قدوم الحملة الصليبية فكانت طائفة المستعلية الإسماعيلية، وكانوا قد فقدوا السيطرة تمامًا على مناطق شمال غرب إفريقيا، ولم يعُدْ لهم في ملكهم إلا مصر، وكانت لهم أطماع كبيرة في الشام وفلسطين؛ ولذلك فإنهم كانوا في حروب مستمرة مع السلاجقة السُّنة، ولم يكونوا يمانعون أبدًا في التحالف مع الروم
(1) انظر أخبارهم في: الكامل في التاريخ لابن الأثير، والبداية والنهاية لابن كثير، والروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية لأبي شامة المقدسي.