البيزنطيين تارة، ومع الصليبيين أنفسهم تارة أخرى في سبيل القضاء على السلاجقة، واقتطاع جزء من أرض الشام وفلسطين.
لقد كان الوضع مؤسفًا حقًّا! وكان الجيش المصري آنذاك - وعماده في الأساس العبيديون الإسماعيلية - شوكةً في حلق الأمة الإسلامية، وظل كذلك فترة من الزمان حتى ظهر نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، كما سيتضح لنا من مجريات الأحداث بإذن الله.
إذن كانت هذه هي الحال في مناطق آسيا الصغرى والشام والعراق ومصر، وكلها كما رأينا كان سيِّئًا لسبب أو لآخر، ولم يكن الحال في بقية أطراف العالم الإسلامي بأفضل من ذلك.
فقد كان الغزنويون يسيطرون على أفغانستان والهند، ولكنهم - للأسف الشديد - كانوا قد دخلوا في وقت أفولهم، وبالتالي ضعفت قوتهم جدًّا عن نصرة بلاد الشام، فضلًا عن بُعد مسافاتهم عن هذه الأراضي.
وكانت اليمن مقسَّمة بين ثلاث طوائف هم: بنو نجاح، والصليحيون، وبنو زريع؛ وكانت الحروب بينهم مستمرة، وكان يغلب على معظمهم التشيُّع، وكانوا يدينون بالولاء للدولة العبيديّة في مصر.
وكانت تونس تحت حكم آل زيري، وكانوا أيضًا قد دخلوا في طور من الضعف؛ مما أدى إلى فَقْد ثغر من أعظم الثغور الإسلامية، وهي جزيرة صقلية، حيث استطاع الإيطاليون النورمانيون أن يسيطروا عليها تمامًا سنة (484هـ) 1091م، وزال نفوذ آل زيري عنها، وبالتبعية زال وجود المسلمين من الجزيرة بعد حكم دام مائتين وسبعين سنة متصلة [1] .
أما المكان الوحيد الذي كان يشهد قوة إسلامية في ذلك الزمن، فكان بلاد المغرب العربي وغرب إفريقيا والأندلس؛ حيث كانت هذه المناطق تابعة لدولة المرابطين العظيمة تحت قيادة قائدهم الفذِّ يوسف بن تاشفين رحمه الله، وهو من أعظم القادة في تاريخ الإسلام، وهو الذي أنزل بالصليبيين القادمين من شمال إسبانيا وفرنسا الهزيمة الساحقة في معركة الزَّلاَّقة سنة (479هـ) 1086م في وسط بلاد الأندلس.
وهذه الدولة الكبيرة - على قوتها - لم تكن تستطيع أن تساعد بلاد المشرق في حروبهم ضد الحملات الصليبية، لا لبُعد المسافة فقط ولكن لانشغالهم الشديد في حرب الصليبيين شمال الأندلس، والوثنيين في غرب إفريقيا ووسطها.
فهذه كانت نظرة عامة على بلاد العالم الإسلامي في أواخر القرن الخامس الهجري (أواخر القرن الحادي عشر الميلادي) ، وهو الوضع الذي مهَّد لدخول الصليبيين إلى معاقلنا، وليس دخول
(1) انظر: ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 6/ 155.