الصفحة 18 من 29

ولا شك أنه لو كان المسلمون ملتزمين بالنص الشرعي والحكم الشرعي في أنه لا تجوز الزيادة في سعر الحاضر عن سعر النسيئة والأجل لما حدثت كل هذه الشرور التي أفسدت حياة الأمة الإسلامية، وخلطت البيع الذي أباحه الله بالربا الذي حرمه الله سبحانه وتعالى، وهذه إحدى معضلات الأمة الإسلامية الآن: اختلاط البيع بالربا، فالبيع الشرعي أصبح قليلًا محصورًا في جوانب ضيقة من حياة الأمة، وأما البيع الربوي حسب الصور التي بيناها آنفًا فهو البيع السائد الآن إلا من رحم الله سبحانه من تجار مخلصين من أهل الدين والفقه والاستقامة ممن يلتزمون ألا يبيعوا بسعر واحد نقدي، أو مؤجل، ومما لا يتعاملون مع شركات التسهيلات والبنوك الربوية الطفيلية سواء تسمت باسم الإسلام أو غيره، مما لا عمل لها إلا الإقراض للتجار والمشترين وتقاضي فائدة ربوية مضمونة وتطويل إجراءات زائفة لا معنى لها كقولهم أشتريها لك!! أشتريها وأبيعها لك؟! ونحو ذلك من حيل لا تخفى على الخالق سبحانه وتعالى ولم تعد تخفى على أحد اللهم إلا المكابرة واللجج.

وقد يقول قائل إنك شدّدت في هذه النقطة وأغلظت الكلام بما لم تغلظه في غيرها فلماذا؟

والجواب: أنني بذلك أبرأ إلى الله أولًا من هذه المعاملة والحيلة الشريرة، وذلك أن إتيان الحرام على وجهه أهون عند الله من التحايل عليه، ولقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه أهلك أمة من بني إسرائيل ومسخهم قردة وخنازير، لأنهم تحايلوا لصيد السمك الذي حرمه الله تبارك وتعالى عليهم يوم السبت فتحايلوا على ذلك بأن يحجزوا السمك في حفائر أو شباك يوم السبت، ولا يرفعونه من الماء إلا يوم الأحد!! وقالوا لم نخالف الأمر الشرعي ولن نصطد إلا يوم الأحد، وإني لأشهد أن حيلة البنوك الإسلامية فيما سموه ببيع المرابحة أشد كثيرًا من حيلة بني إسرائيل من وجه كثيرة:

أولًا: أن حيلة بني إسرائيل كانت مجرد مخالفة لأمر شرعي بعدم الصيد، وليس فيها إلا عدوانًا على الأمر الشرعي فقط فالسمك مال عام من مال الله، والصيد أصله مباح وأما حيلة البنوك الإسلامية فهي جريمة مركبة فالذي يراد الوصول إليه هو الربا وأصله حرام، وهذه الحيلة يراد التوصل بها إلى أكل أموال الناس بالباطل، فأكل أموال الناس بالباطل في نفسه جريمة بخلاف الصيد، فإنه في نفسه مباح.

ثانيًا: أن بني إسرائيل عندما تحايلوا لصيد السمك يوم السبت نسبوا هذا الفعل إلى أنفسهم واجتهادهم، وأما البنوك الإسلامية الذين استحلوا هذا الفعل فإنهم حملوه لأئمة فضلاء من أئمة الدين منهم الإمام الشافعي، وأنا أشهد أن الشافعي -رضي الله عنه- بريء من كل ما يفعل اليوم باسمه، لأنه هو القائل إذا صح الحديث فهو مذهبي، وهو القائل:"مهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلاف ما قلت فالقول قول رسول الله وهو قولي"، ثم إني أشهد أن الشافعي لم يقل ما يفعل الآن باسمه، بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت