الذين أفتوا بذلك لفقوا بين شيء من قوله وشيء من قول بعض المالكية (فالشافعي أجاز أن يقول المشتري للبائع: إن اشتريت هذه السلعة قد اشتريها منك. وقال إن التزما بهذا الوعد بطل بيعهما لأنه يكون تواطئًا على أكل الربا. والبنوك الإسلامية تلزم العميل اليوم وتقاضيه، بل ويدفع عربونا مضمونًا لا يأخذه إذا نكل عن وعده!! ومع ذلك ينسبون كل هذا الباطل للشافعي!!) ، ومعلوم أن التلفيق حرام، بل لا يجوز التلفيق في أقوال رجل واحد، فكيف في أقوال رجلين متباعدين.
وعلى كل حال فهذه أراها جريمة ثانية تزيد الأمر بشاعة وهو تعليق هذه الحيلة الشريرة بإمام عظيم من أئمة الفقه.
ثالثًا: أن بني إسرائيل عندما نفذوا حيلتهم لم ينطل هذا على عموم الناس، وكانت حيلتهم منبوذة مشهورة، ولذلك قام الناصحون بنصحهم وتحذيرهم ... وأما هذه الحيلة الربوية المسماة ببيع المرابحة فإن البلوى بها عمّت.
رابعًا: جاءت هذه الحيلة الشريرة والأمة مقبلة على تغير النظام الاقتصادي الربوي الرأسمالي إلى النظام الإسلامي الأخلاقي، فإذا بهذه الحيلة الشريرة تحول وجهة المسلمين من العمل المخلص الجاد في تطبيق الشريعة إلى عمل شيطاني إبليسي يخدم النظام الرأسمالي الغربي، لأنه يعمل نفس عمله في الربا ثم يضع على ما صنع غطاء شرعيًا ولباسًا إسلاميًا، فبعد أن كان الربا ظاهرًا ومعلومًا لكل أحد إذا بهؤلاء يموهونه ويزخرفونه ويلبسونه جبة وطيلسانًا إسلاميًا، وهكذا تحولت مسيرة البنوك الإسلامية، فبدلًا من أن تغير النظام الربوي إذا بها تصبح دعامة من دعائمه.
لهذه الأسباب وغيرها كثير قلت إن هذه الحيلة الربوية أشر كثيرًا من حيلة بني إسرائيل وإذا كان الله قد حذرنا مما حصل ببني إسرائيل عندما تحايلوا على الأمر الشرعي، فإنني لأجل ذلك أسجل هنا براءتي إلى الله مما يصنع اليوم: (اللهم إني أبرأ إليك من ذلك. اللهم إنك أخذت العهد والميثاق على كل من حمل علمًا أن يبلغه ولا يكتمه، ولعنت من لم يفعل ذلك حيث قلت {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} ، وقلت {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه} .
اللهم وفاء بهذا العهد وخروجًا من المسؤولية أسجل هذه الكلمات، اللهم إن أنزلت عقوبة من عندك فاستثنِ من يأمر بالحق فإنك قلت في شأن بني إسرائيل {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} (الأعراف:165) .