الناس فظهر مؤمنهم من منافقهم، فما يكون من فتنة الدجال إلا حصد ما خلفته الفتن التي سبقته، وفي هذا إشارة إلى ضرورة انتباه المؤمن من الفتن، ولا يستصغرها، أو يحقر شأنها، فهي موطئة لفتنة الدجال، يعزز ذلك ما جاء في الحديث: «لَأَنَا لَفِتْنَةُ بَعْضِكُمْ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» ، وفي رواية مسلم: غير الدجال أخوفني عليكم. وفي رواية أحمد: «لَغَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَى أُمَّتِي، قَالَهَا ثَلَاثًا: قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا الَّذِي غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُكَ عَلَى أُمَّتِكَ قَالَ أَئِمَّةً مُضِلِّينَ.» [1]
و عن حذيفة بن أسيد - رضي الله عنه - قال:» ... إنا لغير الدجال أخوف علي وعليكم قال فقلنا ما هو يا أبا سريحة؟ قال فتن كأنها قطع الليل المظلم قال: فقلنا: أي الناس فيها شر؟ قال: كل خطيب مصقع وكل راكب موضع. قال فقلنا: أي الناس فيها خير قال: كل غني خفي قال أبو الطفيل الليثي: فقلت: ما أنا بالغني ولا بالخفي؟ قال فكن كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب. « [2]
شرح الغريب:
خطيب مصقع: أي كل خطيب بليغ اللسان، ويراد به الخطباء الذين يغيرون الحقائق ويزينون الباطل لأهوائهم أو لمصالح قادة الفتن مستعينين بما أوتوا من قوة بلاغة و تأثير في الناس.
راكب موضع: أي مسرع، ويراد به من يخف ويسرع في الفتن ونصرة أهل الباطل.
غني خفي: أي كل غني النفس معتزل للناس
ابن لبون: ابن الناقة ذات اللبن، وابن اللبون يكون صغيرًا لا يمكن أن يركب لقتال ونحوه، ولا يمكن أن يحلب فينتفع به؛ لأنه صغير، ومعنى كن كابن لبون: أي مثله في عدم الانتفاع به في أمر من أمور الفتن.
(1) سبق تخريج هذه الآثار
(2) جزء من أثر طويل أخرجه الحاكم برقم 8612، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، والحديث موقوف يأخذ حكم المرفوع [المستدرك (4/ 574) ]