يراها الكافر وهو يعرف الكتابة فدل ذلك على أن هذه الكتابة شيئًا مجازيًا ليس له رسم ظاهر في جلد الدجال. وهذا المذهب ضعيف.
ويجاب على ما ذكروا بأن الكتابة حقيقية، ولا يلزم من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب أن تكون الكتابة غير حقيقية، بل يقدر الله على غير الكاتب علم الإدراك الذي به يستبين المكتوب بين عيني الدجال بعين البصيرة، ويحرم الكافر الإدراك في البصر لهذه الكلمة مع وجودها، وذلك أن الإدراك بالبصر لا يكون إلا وفق المشيئة الإلهية، والله سبحانه وتعالى يقدر ما يشاء، وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ظهراني الكفار في الهجرة، وعلى مرأى من عيونهم، ولكن وقعت الغشاوة على عيونهم فلم يروه، وزمن الدجال زمن الخوارق؛ لذا يخص المؤمن بالقدرة على رؤية هذه الكلمة دون غيره [1]
يمكن إعطاء تصور إجمالي عن علامات خروج الدجال والتي تحدد لنا أيضًا زمانه وذلك على النحو التالي:
العلامة الأولى: فتح بلاد الروم (القسطنطينية ورومية) :
-- ... عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: {عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ مَنْكِبِهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا أَوْ كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ يَعْنِي مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ.} [2]
-- ... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: {بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ وَفَتْحِ الْمَدِينَةِ سِتُّ سِنِينَ وَيَخْرُجُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ فِي السَّابِعَةِ.} [3]
-- ... عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: {الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ} [4]
شرح:
الحديث الأول يشير إلى أن المدة بين الملحمة وخروج الدجال سبع سنوات، والحديث الثاني يشير إلى أن المدة سبعة أشهر، والحديث الأول الذي يدل على أنها سبع سنوات أصح كما صرح أبو داود مخرج الحديث.
وحاول بعض العلماء أن يخرج من إشكال الجمع بين الحديثين - وكلامه محتمل - فقال بأن الحديث الأول يدل على أن المدة من بداية الملحمة الأولى إلى خروج الدجال سبع سنوات، أما الحديث الثاني فدل على أن ما بين الملحمة وفتح القسطنطينية وخروج الدجال سبعة أشهر فتكون مدة الملحمة العظمى ست سنوات، وبينها وبين فتح القسطنطينية وخروج الدجال سبعة أشهر من السنة السابعة. [5]
وهذا الكلام مع أنه محتمل، إلا إنني أراه بعيدًا؛ لأن دلالات أحاديث الملحمة العظمى لا تشير إلى هذه المدة الطويلة؛ لذا أرى أن نعدل إلى الترجيح هنا بين الروايتين باعتماد أصحها سندًا وأقواها في دلالة المتن، وأقربها للواقع وهي مدة السبع سنوات، وإشارة أبي داود إلى أن حديث السنوات السبع أرجح فيه إشارة واضحة إلى أن هناك تعارضًا ثابتًا بين الحديثين لا يمكن دفعه إلا بالترجيح، وذلك بتقديم الأرجح إسنادًا. [6]
-- عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: {سَتُقَاتِلُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تُقَاتِلُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تُقَاتِلُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ.} قَالَ جَابِرٌ: فَمَا يَخْرُجُ الدَّجَّالُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ» [7]
شرح:
الكلام هنا يحتمل أن المراد به ما وقع في العصر الأول في عهد الصحابة من قتال في جزيرة العرب والروم، ويحتمل أن يراد به مرحلة البعث الثاني للأمة أو العالمية الثانية لها في زمن المهدي - رضي الله عنه -،والاحتمال الثاني في ظني أقوى وفي تعقيب جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - ما يؤكده، ودلالات الأحاديث الأخرى تعززه.
-- ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: {سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ، وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ: قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَقَ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ، وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا، قَالَ ثَوْرٌ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّانِيَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُوا الثَّالِثَةَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ.} [8]
أقول:
الحديث يشير إلى فتح مدينة القسطنطينية [9] ... - كما صرحت بذلك أحاديث أخرى - وأنها تفتح بالتكبير مما يدل على أن أهل الحق في آخر الزمان يؤيدون
(1) راجع: النووي: شرح صحيح مسلم (9/ 452) ؛ عون المعبود (11/ 441)
(2) أخرجه أبو داود برقم 4296 (4/ 183) ؛ وأحمد برقم 22084 ... [المسند (5/ 275) ] ؛ وحسنه الألباني [مشكاة المصابيح بتحقيق الألباني (3/ 177) ]
(3) أخرجه أبو داود برقم 4298، و قال أبو داود: هذا الحديث أصح من حديث عيسى. (4/ 184) وحديث عيسى المقصود هو حديث معاذ الذي سأذكره بعده؛ وابن ماجة برقم 4093 [السنن (2/ 1370) ] والحديث ضعفه الألباني [مشكاة المصابيح (3/ 178) ]
(4) أخرجه الترمذي برقم 2339 وقال: هذا حديث حسن غريب [6/ 496)] ؛ وابن ماجة برقم 4092 [السنن 2/ 1370)] ؛ وأحمد برقم 22106 [المسند (5/ 278) ] ؛ وضعفه الألباني [مشكاة المصابيح (3/ 177) ]
(5) انظر عون المعبود (11/ 445)
(6) انظر تحفة الأحوذي (6/ 412)
(7) أخرجه مسلم [مسلم بشرح النووي (18/ 26) ] وابن ماجة برقم 4091، [السنن (2/ 1370) ] وكلام جابر عند ابن ماجة، وعند مسلم: قال نافع: يا جابر: لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم.
(8) أخرجه مسلم برقم 2920 [مسلم بشرح النووي (9/ 237) ]
(9) (-) يرى بعض المؤلفين المعاصرين أن المدينة المقصودة هنا هي مدينة فينيسيا الإيطالية، وقد يكون لطبيعة هذه المدينة من كون جانب منها في البر وجانب في البحر هو الذي حملهم على اعتبارها هي المقصودة [انظر غنيم: وعد الآخرة (51) ] ومن تتبع سياق الأحاديث بمجموعها يرى أن هذا الاحتمال بعيد لكنه ممكن.