وهذا يعزز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بداية الأمر قد علم بفتنة الدجال ثم تبين له في آخر الأمر وقت خروجه؛ لذلك كان إنذار محمد - صلى الله عليه وسلم - لأمته من الدجال أوفى وأكثر تفصيلًا من غيره لوقوع فتنته في أمته.
2 -المعلوم أن حجة الوداع كانت في آخر عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتضمنت ملخصًا عامًا لرسالة الإسلام وأبرز تعاليمه، ومع كونها كذلك إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يختصر الحديث عن الدجال فيها، بل أطنب و أفاض في الحديث عنه، وفي هذا إشارة إلى عظم هذه الفتنة وخطورتها، و ويتضمن تنبيهًا لأمته للإفاضة في الحديث عنها والتحذير منها. وإذا كانت خطبة الوداع التي تعتبر ملخصًا لرسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - قد تضمنت إطنابًا عن فتنة الدجال، فمن باب أولى أن يطنب أتباعه في ذكرها، والتحذير منها، وليس كما يدعي البعض أن ذكر الدجال وفتنه من باب الملهاة للأمة وإشغال لها عن قضاياها، بل على العكس ذكر فتنة الدجال يقي الأمة من الوقوع فيها من جانب، ومن جانب آخر يعطيها تصورًا لطبيعة الفتن التي نعيشها قبل خروجه، وذلك لارتباط الفتن بفتنة الدجال؛ لذا لا بد أن يكون بعض ما نلابسه من فتن يطابق بعض أوصاف فتنة الدجال.
-- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: {أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ.} [1]
-- ... عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَدْعُو أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْكَسَلِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَفِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.} [2]
-- ... عَنْ مُصْعَبٍ كَانَ سَعْدٌ يَامُرُ بِخَمْسٍ وَيَذْكُرُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ كَانَ يَامُرُ بِهِنَّ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ
(1) أخرجه البخاري برقم 8323 [البخاري مع الفتح (2/ 371) ]
(2) أخرجه البخاري برقم 4707 [البخاري مع الفتح (8/ 239) ]