-تواترت الأحاديث الدالة على خروج رجل في آخر الزمان يعرف بالدجال، وهذا الرجل تكون فتنته هي أعظم فتنة عرفتها البشرية، وتوافق فتنته بعض الخوارق التي تؤتى له من باب الاستدراج للنفوس الضعيفة، وتدوم فتنته في الأرض أربعون يومًا: يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كأسبوع، وباقي أيامه كسائر الأيام. ينقل النووي عن القاضي عياض بخصوص أحاديث فتنة الدجال قوله:» هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى في إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، و جنته وناره ونهريه واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، و الأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله ومشيئته، ثم يعجزه الله سبحانه وتعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره ويقتله عيسى - صلى الله عليه وسلم -، ويثبت الله الذين آمنوا، هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، وخلافًا للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقًا لم يوثق بمعجزات الأنبياء، وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، و إنما يدعي الإلهية، وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي بين عينيه. «أ. هـ [1]
-ذهب بعض أهل العصر إلى مقولة غريبة، فأول أحاديث الدجال تأويلًا فاسدًا لا يستقيم، واعتبر أن المراد بها ليس شخصًا بعينه بل المقصود بها الحضارة الغربية، لأنها حضارة عوراء لا تعتمد إلا على الجانب المادي فقط، وهذا تأويل فاسد يكفر من يعتقده؛ لأن النصوص على صراحتها لا تحتمله، وهي نصوص متواترة والإجماع منعقد على أنه يراد بها شخص بعينه.
(1) النووي: شرح صحيح مسلم (9/ 257)