ويتصرف بعين اليقين، لا بعين المشاهدة؛ فليغمض عين بصره، وليفتح عين بصيرته، وليقترب من النار، وليشرب منها متيقنًا بما أخبر به الرسول الكريم، فستكون بإذن الله ماءً باردًا.
أما من بهره ما يراه، وجمحت عنده عين البصر على عين البصيرة فطمستها، وتعامل مع الواقع كما يراه، وأراد أن يغترف من الماء، ووقع في شبهة الدجال، فهذا سينال الخسران.
و هذه الشبهة المذكورة في الأحاديث تدل دلالة واضحة أن الدجال لا يريد الخير للبشرية بقدر ما يريد إغوائها، فمن يتبعه ومن يرضى به لا ينال منه خير الدنيا كما يتصور، إذ ليس في القرب من الدجال إلا البوار، و ماؤه نار، و ليت الأمة تنتبه في عصرنا إلى أن ماء كل دجال قبل الدجال الأكبر هي أيضًا نار.
-حديث النواس بن سمعان الأخير يشير إلى مدى فتنة الشهوات التي يستغلها الدجال، فأتباعه ينعمون قليلًا بنعم الدنيا الزائل، ومن يعارض الدجال يضيق عليه بالأرزاق والنعم قليلًا، أي فترة الفتنة، ويفرض عليه عقوبات اقتصادية قاسية، أقسى بكثير مما نعهده في زماننا؛ وطبعًا كل ذلك بقدر من الله سبحانه وتعالى، لحكم يقتضيها وترشد إليها الآيات التالية يقول الله سبحانه وتعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [1] فالإيمان الموجب للنعمة العظمى، وهي الفوز بالجنة والنجاة من النار ليس مجرد دعوى باللسان فقط، ولئن حصل هذا الادعاء، فلا بد من اختباره {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [2] ... ، ولا بد لأهل الله سبحانه وتعالى أن يميزوا عن أهل الادعاء الكاذب، فهذا من مقتضيات الاختبار ونتائجه {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [3]
-الملاحظ على الدجال أنه لا يعرف المساومة، فشعاره: من ليس معنا فهو ضدنًا؛ لذا لا نلحظ زمن فتنة الدجال إلا فريقين فقط: أتباع الدجال وهم الأكثر في الأرض، والفئة المؤمنة الصادقة، وهم قليل.
-- عن أَبي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: يَاتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ.
فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثَهُ.
فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا، ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الْأَمْرِ؟
فَيَقُولُونَ - أي شيعة الدجال: لَا.
فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ.
فَيَقُولُ - أي الرجل المؤمن: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ. [4]
شرح الغريب:
السباخ: جمع سَبَخة وهي الأرض الرملة التي لا تنبت لملوحتها، وهذه الصفة خارج المدينة من غير جهة الحرة.
-- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ: مَسَالِحُ الدَّجَّالِ.
فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟
فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ.
فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟
(1) العنكبوت:2
(2) المائدة: من الآية 94
(3) آل عمران:17
(4) أخرجه البخاري في الفتن برقم 7132 [فتح الباري (13/ 109) ]