قد يتصور أن هناك تعارضًا بين هذا الحديث وسابقه؛ حيث أثبت في الأول وجود الماء مع الدجال، وهنا قال هو أهون على الله - سبحانه وتعالى - من ذلك بما يشبه النفي من كون الدجال معه أنهار.
ويدفع هذا الإشكال بأن الدجال أهون على الله سبحانه وتعالى من أن يجري على يديه أنهارًا حقيقية أي صورة ومعنى، أما ما يكون مع الدجال فإنه يُرى للرائي أنه ماء وليس ماءً على الحقيقة.
أو يراد به أنه أهون من أن يجعل ما يخلقه على يديه مضلًا للمؤمنين، أو مشككًا لقلوب الموقنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويرتاب الذين في قلوبهم مرض.
أو يراد به أنه أهون من أن يجعل شيئًا من ذلك آية على صدقه، ولا سيما أنه جعل فيه آية واضحة دالة على كفره بين عينه، إضافة إلى العلامات الأخرى الدالة على نقصه، وحدوثه. [1]
-- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: {يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي خَفْقَةٍ مِنَ الدِّينِ وَإِدْبَارٍ مِنَ الْعِلْمِ فَلَهُ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً يَسِيحُهَا فِي الْأَرْضِ الْيَوْمُ مِنْهَا كَالسَّنَةِ وَالْيَوْمُ مِنْهَا كَالشَّهْرِ وَالْيَوْمُ مِنْهَا كَالْجُمُعَةِ ثُمَّ سَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ هَذِهِ وَلَهُ حِمَارٌ يَرْكَبُهُ عَرْضُ مَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا فَيَقُولُ لِلنَّاسِ أَنَا رَبُّكُمْ وَهُوَ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ ك ف ر مُهَجَّاةٌ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٌ وَغَيْرُ كَاتِبٍ يَرِدُ كُلَّ مَاءٍ وَمَنْهَلٍ إِلَّا الْمَدِينَةَ وَمَكَّةَ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَيْهِ وَقَامَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَبْوَابِهَا وَمَعَهُ جِبَالٌ مِنْ خُبْزٍ وَالنَّاسُ فِي جَهْدٍ إِلَّا مَنْ تَبِعَهُ وَمَعَهُ نَهْرَانِ أَنَا أَعْلَمُ بِهِمَا مِنْهُ نَهَرٌ يَقُولُ الْجَنَّةُ وَنَهَرٌ يَقُولُ النَّارُ فَمَنْ أُدْخِلَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْجَنَّةَ فَهُوَ النَّارُ وَمَنْ أُدْخِلَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّارَ فَهُوَ الْجَنَّةُ وَيَبْعَثُ اللَّهُ مَعَهُ شَيَاطِينَ تُكَلِّمُ النَّاسَ وَمَعَهُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ يَامُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ} [2]
-- عن النواس بن سمعان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: { .. فَيَاتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ، فَيَامُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَاتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ، لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ.} [3]
شرح الغريب:
سارحتهم: السارحة هي الماشية؛ سميت بذلك لأنها تسرح للمرعى
درًا ...: اللبن، وإنما يكثر بالخصب وكثرة المرعى.
الممحل: الذي قد أجدبت أرضه، وغلت أسعاره.
كيعاسيب النحل: اليعسوب أمير النحل، والكلام فيه قلب والأصل كنحل اليعاسيب، لأن النحل تتبع اليعسوب.
شرح:
-حرب الدجال هي حرب شهوات وشبهات، وهي نفسها حرب إبليس لعنه الله، والشهوات لا يمكن دفعها إلا بالصبر، أما الشبهات فتدفع باليقين؛ ومن حصل الصبر واليقين نجا من فتنة الدجال لعنه الله، وكان أهلًا للإمامة في الأرض، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} [4]
-- يلحظ من الأحاديث السابقة أن ما لدى الدجال من نار أو ماء ليس على حقيقته، وهذا نوع من الشبهة لا ينفع معها إلا اليقين المخالف لما تشاهده العين؛ فالنار التي تتأجج أمام عين الناس هي ماء بارد؛ لذا من كان من أهل الإتباع والانتفاع بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيكذب ما تراه عينه، ويصدق ما أخبر به نبيه - صلى الله عليه وسلم -،
(1) ابن حجر: فتح الباري (13/ 99)
(2) جزء من حديث طويل أخرجه أحمد برقم 14965 [المسند (3/ 450) ] ؛ والحاكم، وقال: هو على شرط مسلم، ووافقه الذهبي [المستدرك 4/ 530)]
(3) جزء من حديث طويل سيأتي، أخرجه مسلم [مسلم بشرح النووي (18/ 63) ] ؛ وأبو داود برقم 4299 [عون المعبود (11/ 445) ] وابن ماجة برقم 4075 [السنن (2/ 1356) ]
(4) السجدة:24