أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا يَعْنِي فِتْنَةَ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. [1]
-- ... عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: {سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.} [2]
-- ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: {إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ.} [3]
أقول:
1 -هذه الأحاديث برواياتها المتعددة تشير إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل لفتنة الدجال نصيبًا من استعاذته، وفي هذا إشارة إلى عظم هذه الفتنة على وجه الخصوص، وفيه إشارة إلى أن الاستجارة بالله سبحانه وتعالى من العظائم قبل وقوعها سبب في دفعها، أو التقليل من أثرها، والمعلوم أن الدعاء يدفع البلاء أو يخفف منه.
2 -يلحظ من بعض الأحاديث أنها دلت على سنة نبوية من سنن الصلاة وهي الاستعادة من عظائم أربع ابتدأها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتدريج، وجعل أقربها من الإنسان فتنة المسيح الدجال التي يمكن أن يعيش الإنسان في غمرتها فجأة، واختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - لذكر هذه الاستعادة في خاتمة الصلاة يتناسب مع خطر هذه العظائم الأربعة من ضمنها فتنة الدجال، فالصلاة صلة بين العبد وربه، والأصل فيها أن تكون سبب نجاة لصاحبها مما يستقبله من عظائم، فبدأ بالاستعادة بأعظم الأمور وبأبعدها عن المؤمن وهي النار ثم تدرج في العظائم إلى أن انتهى إلى فتنة المسيح الدجال، وفي ذلك دلالة واضحة على أن النجاة من هذه الأمور الأربعة فوز وفلاح لصاحبها، وفيها أيضًا إشارة إلى أن أعظم فتن الدنيا هي فتنة المسيح الدجال، وإلا لو كان غيرها لذكره النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-- ... عن عائشة رضي الله عنها أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: { ... مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.} [4]
أقول:
هذا الحديث فيه إشارة واضحة إلى أن فتنة الدجال لا تعدو كونها ممحصة أو محصِّلة لما في القلوب قبل أن تأتي؛ لذا الذي يسلم من الفتن قبلها سيسلم منها، والذي يقع فريسة للفتن قبلها لا محالة سيكون من أهل الوقوع بها؛ وهذا هو وجه مشابهتها لفتنة القبور، فالمعلوم أن المؤمن إذا عرضت عليه فتنة القبر ينجو منها وإذا سئل أجاب بما فيه نجاته، أما المنافق أو المرتاب أو من لبسته الفتن في الدنيا، فيحرم من الإجابة. وبالتالي من لم تحصده فتنة الدجال حصدته فتنة المحيا والممات أو فتنة القبور، والعبرة بما كان عليه الإنسان قبل وقوع هذه الفتن، فليحذر المؤمن.
(1) أخرجه البخاري برقم 6365 [فتح الباري (11/ 178) ]
(2) أخرجه البخاري برقم 7129 [فتح الباري (13/ 97) ]
(3) أخرجه البخاري برقم 1377 [البخاري مع الفتح (3/ 284) ]
(4) أخرجه البخاري برقم 184 [فتح الباري (1/ 346) ]