الصفحة 16 من 31

أما ما جاءت النصوص بتحريمه من أوجه النشاط الاقتصادي، فالملاحظ أنه قليل جدًا إذا ما قيس بالأوجه المباحة التي هي الأصل في النشاط الاقتصادي.

الناظر في أوجه النشاط الاقتصادي التي حرمها الإسلام يجد أنه يجمع بينها أنها جميعها قد تنكبت طريق الفطرة السليمة؛ لأنها تقوم إما على الرشوة أو استغلال النفوذ والسلطان، أو على غش الناس، أو ابتزاز أموالهم بالباطل، أو التحكم في ضروريات معاشهم، أو انتهاز حالات عوزهم وحاجاتهم.

قال تعالى: {وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [ (188) سورة البقرة] ، وقال سبحانه: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [ (1 - 3) سورة المطففين] ، وقال سبحانه: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [ (276) سورة البقرة] ، ويقول الرسول -صلوات الله وسلامه عليه-: (( من غش فليس مني ) )، ويقول: (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ) )، ويقول: (( لا يحتكر إلا خاطئ ) ).

ولقد استهدف الإسلام من تحريم هذه الأوجه من النشاط الاقتصادي أهدافًا ثلاثة:

الأول: أن تقوم علاقات الناس الاقتصادية على أسس من التكافل والتراحم والتعاطف والصدق والعدل، بدلًا من التباغض والتنافر والتظالم والغش.

الثاني: دفع الناس إلى العمل وبذل الجهد لكسب المال وتنميته، بدلًا من الالتجاء إلى وسائل الاستغلال الوضيعة.

الثالث: إغلاق المنافذ التي تؤدي إلى تضخم الثروات في أيدي بعض الأفراد.

وقد حرم الإسلام صورًا خاصة من النشاط الاقتصادي:

فقد حرم الربا: وحكمة تحريم الربا إنما يرجع إلى المضار الاقتصادية والاجتماعية التي تترتب عليه، فمن الناحية الاقتصادية فإن الطرق الربوية تعتبر وسيلة غير سليمة للكسب؛ لأن الفائدة التي يحصل عليها المقرض لا تتأتي نتيجة عمل إنتاجي، فهذه الفائدة عبارة عن مبلغ استقطع من مال المقترض وبالتالي من الثروة العامة، بدون أن يحدث القرض زيادة في إحدى الثروتين، فالزيادة التي تأتي لأموال بعض الناس عن طريق الربا هي زيادة في الظاهر، ولكنها ليست زيادة في الواقع؛ لأنها لا تضيف شيئًا إلى ثروة الأمة العامة.

كذلك فإن انتشار التعامل بالربا مدعاة إلى الكسل وإلى البطالة وإلى خلق طائفة من القاعدين يكسبون المال عن طريق الانتظار وحده دون جهد أو عمل.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن المجتمع لا يستفيد شيئًا من العمليات الربوية؛ لأنها لا تضيف شيئًا إلى ثروته ولا تزيد من قدرته وإمكاناته.

وحرم بيوع الغرر: والغرر هو في الأصل الخطر، وتدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان، وهو الجهل بالثمن أو المثمن، أو سلامته، أو أجله.

والأمثلة على هذا البيع كثيرة، منها بيع الثمار قبل أن تنضج، وبيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وبيع حمل الحيوان قبل أن يولد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت