الإسلام قد قرر أصول الاقتصاد منذ بداية التشريع الإسلامي، وكانت حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- نموذجًا حيًا لتطبيق هذا التشريع الذي استمر على نهجه الخلفاء الراشدون من بعده.
ولئن كانت الحياة والمشكلات الاقتصادية في الصدر الأول محدودة فإن ذلك يرجع لأمرين:
الأول: فقر البيئة والتواضع في النشاط الاقتصادي؛ إذ كانوا يقتصرون على أعمال الرعي، والزراعة المحدودة، والتجارة الضيقة الحدود.
الثاني: قوة الوازع الديني وتمكنه من النفوس، فلا غش ولا تدليس ولا غبن ولا احتكار.
وحين بدأ الناس التوسع في المعاملات نشطت الدراسات الفقهية الاقتصادية وبدأ العلماء يضعون أحكامًا شرعية لما استجد في زمانهم من أمور ومسائل، فألفوا في ذلك التصانيف التي تبحث المسائل الفقهية في الجوانب الاقتصادية، فكتب الفقه التي ظهرت في القرن الثاني الهجري فما بعده، زخرت بمسائل اقتصادية هامة كالزكاة، والكفارات، والعقود، والمعاملات، والنفقات، والصداق، والمواريث، والديات.
ومن هذه الكتب (المدونة الكبرى) للإمام مالك، و (المبسوط) للسرخسي، و (الأم) للإمام الشافعي، و (المغني) لابن قدامة.
كما ظهرت كتب خاصة في الاقتصاد كـ (الخراج) لأبي يوسف، و (الخراج) ليحيى بن آدم القرشي و (الأموال) لأبي عبيد، وكتاب (الاكتساب في الرزق المستطاب) للشيباني، و (أحكام السوق) ليحيى بن عمر، وكتاب (البركة في فضل السعي والحركة) لمحمد الحبشي اليمني، وكتاب (الحسبة) لابن تيمية وغيره من العلماء.
أما ما يتعلق بالمشكلات القائمة والتوجيه الصحيح لها فقد ظهرت من خلال الاتجاهات التالية:-
الاتجاه الأول: الدراسات الاقتصادية الجزئية:
وتعني دراسة موضوعات اقتصادية معينة مثل بعض الأبحاث في الربا، والتسعير، والمصارف، وشركات التأمين، وقد ظهرت هذه الأبحاث وغيرها من خلال مؤتمرات علمية مثل: أسبوع الفقه الإسلامي الدولي الأول المنعقد بباريس سنة: 1951 م، والثاني المنعقد بدمشق في سنة: 1961 م، والثالث المنعقد بالقاهرة سنة: 1967 م، والمؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة سنة: 1396 هـ، وهذا بالإضافة إلى المؤلفات الفردية، ورسائل الماجستير والدكتوراه، والتي تعالج موضوعات متنوعة في الاقتصاد.
الاتجاه الثاني: الدراسات الاقتصادية الكلية:
وهي التي تعني الكشف عن أصوله وسياسته الاقتصادية، وقد ألف في هذا الدكتور محمد عبد الله العربي كتابه (الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد المعاصر) ، ومحمد باقر الصدر كتابه (اقتصادنا) ، والدكتور محمد شوقي الفنجري كتابه (المدخل إلى الاقتصاد الإسلامي) بالإضافة إلى الأبحاث المختلفة.
الاتجاه الثالث: الدراسات الاقتصادية التاريخية:
وتعنى هذه الدراسة بتحليل النظام الاقتصادي في فترة زمنية معينة من خلال دراسة أحد أئمة الإسلام، ومثل ذلك رسالة الدكتوراه للدكتور أحمد الشافعي عن (النظام الاقتصادي في عهد عمر بن الخطاب) والدكتور إبراهيم اللبان في بحثه عن ابن حزم بعنوان: (حق الفقراء في أموال الأغنياء) ، والدكتور محمد بن المبارك في كتابه (آراء ابن تيمية في الدولة، ومدى تدخلها في المجال الاقتصادي) .