الصفحة 39 من 46

قال الشيخ الفقيه أحمد: وإنما يخالفه بعض من لا يعد من أهل الحديث، فيرى قبول رواية المجهولين، ما لم يعلم ما يوجب رد خبرهم.

وقد قال الشافعي رضي الله عنه في أول كتاب الطهارة، حين ذكر ما تكون به الطهارة من الماء، واعتمد فيه على ظاهر القرآن، وقد روي فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثًا يوافق ظاهر القرآن: في إسناده من لا أعرفه [1] ، ثم ذكر حديثه عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في البحر [2] ، وعسى لم يخطر ببال فقيه من فقهاء عصرنا ريب في صحة هذا الحديث، وإمامه يقول: في إسناده من لا أعرفه، وإنما قال ذلك؛ لاختلاف وقع في اسم المغيرة بن أبي بردة، ثم وصله بذكر أبي هريرة مع إيداع مالك بن أنس إياه كتابه الموطأ [3] ، ومشهور فيما بين الحفاظ أنه لم يودعه رواية من يرغب عنه إلا رواية عبد الكريم بن أبي أمية [4] ، وعطاء الخرساني [5] ، فقد رغب عنهما غير مرة.

وتوقف الشافعي في إيجاب الغسل من غسل الميت، واعتذر بأن بعض الحفاظ أدخل بين أبي صالح وأبي هريرة إسحاق مولى زائدة، وأنه لا يعرفه [6] . ولعله ن يكون ثقة، وتوقف في إثبات الوقت الثاني لصلاة المغرب مع أحاديث صحاح، رويت فيه [7] بعد إمامة جبريل عليه الصلاة والسلام النبي - صلى الله عليه وسلم - حين لم يثبت عنده من عدالة رواتها ما يوجب قبول خبرهم.

وكأنه وقع لمحمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله بعده ما وقع له، حتى لم يخرج شيئًا من تلك الأحاديث في كتابه [8] ، ووقف مسلم بن الحجاج على ما يوجب قبول خبرهم، ووثق بحفظ من رفع

(1) الأم: (1/ 3) .

(2) الأم: (1/ 3) .

(3) الموطأ: (1/ 52 - 53) بشرح الزرقاني.

(4) عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية، المعلم البصر، نزيل مكة، واسم أمية طارق، وقيل فيه: ضعف. انظر التقريب: (1/ 516) ، والميزان: (2/ 646 - 647) .

(5) عطاء بن أبي مسلم الخرساني، واسم أمية ميسرة، وقيل عبد الله، صدوق، يهم كثيرًا، أو يرسل ويدلس، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين لم يصح أن البخاري أخرج له. انظر التقريب: (2/ 22) . والتهذيب: (7/ 190/192) .

(6) الأم: (1/ 266) .

(7) الأم: (1/ 73/74) .

(8) لم يخرج البخاري شيئًا من أحاديث صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت