بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان من أوّل المستجيبين له ملك الحبشة النجاشيّ .. وكانت أداته الأولى المخالطة والمعايشة، والحوار الهادئ البنّاء ..
ولقد كان هؤلاء المهاجرون يعلمون أنّ لدعوة الحقّ مهرًا لابدّ من دفعه، وأنّ للصدق ثمنًا لابدّ من بذله، وأنّ دعاة الحقّ وأبناءه لا يسعهم إلاّ أن تكون دعوة الحقّ محور حياتهم، وقبلة مسارهم ..
ومن ثمّ فقد كان لهؤلاء المهاجرين قصّة مليئة بالدروس والعبر، يتجلّى فيها وضوح المنهج الإسلاميّ، بمبادئه وأحكامه، وقيمه ومقاصده بأجلى صورة، وهي تكشف عن عظمة التربية النبويّة في صنع الرجال، وإعداد الدعاة، فإلى وقائع هذه القصّة، وأهمّ ما فيها من العبر:
عَن أُمِّ المؤمِنينَ أُمِّ سَلَمَةَ ابنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ زَوجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَت: لَمَّا نَزَلنَا أَرضَ الحَبَشَةِ، جَاوَرنَا بِهَا خَيرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدنَا الله تَعَالَى، لا نُؤذَى، وَلا نَسمَعُ شَيئًا نَكرَهُهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيشًا، ائتَمَرُوا أَن يَبعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَينِ جَلدَينِ، وَأَن يُهدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُستَطرَفُ مِن مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِن أَعجَبِ مَا يَأتِيهِ مِنهَا إِلَيهِ الأَدَمُ، فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا،