لم تعرف البشريّة دينًا رفعَ مكانة العلم، وأعلى من شأنه مثل الإسلام ويكفي أنْ نعلم أنّ الله تعالى جعل شهادة أولي العلم بعْد شَهادة الحقّ سبحانه، وشهادة الملائكة المقرّبين، فقال تَعالى: {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ، وَالْمَلائِكَةُ، وَأُوْلُوا الْعِلْمِ، قَائِمًا بِالْقِسْطِ، لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) } آل عمران، ولقد كانت تَربية النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه تقوم على الاعتناء بالعلم غاية الاعتناء، وحثّ الأمّة على التعلّم والتعليم، ولا يسعنا في هذه المُناسبة أن نتحدّث عن ذلكَ أو نفصّل فيه، وهو معدودٌ من بدهيّات هذا الدين، التي لا تخفى على من له أدنى معرفة أو ثقافة ..
وممّا ينبغي أن يعلم في هذا المقام أنّ التعمّقَ في العلم بالدين وفهمه أساس الاجتهاد، والاجتهاد نوع من الإبداع الفكري، الذي يقوم عليه التجديد في الحياة، ولذا فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ مُعَاوِيَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ .. ) [1] ، ولم تقم حضارة، ولم تؤسّس نهضةٌ بغير ذلك ..
(1) ـ الحديث متّفق عليه، وفيه زيادة، ورواه أحمد، ورواه الترمذي عن ابن عبّاس، ورواه البزّار عن ابن مسعود بزيادة: وألهمه رشده، وفي رواية البيهقيّ: وزهّده في الدنيا وبصّره عيوبه، انظر كشف الخفاء 2/ 376/.