وعلي كل حال فإن ثقافة أي مجتمع في واقعها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستوى ما تحققه من حضارة و مدنية، فالمجتمع الذي تكون ثقافته ضحلة لا يمكن أن ينال أي قسط من وسائل الحضارة والتمدن، بل يظل يعيش في متاهات البداوة، ويتجرع قسوتها وشقائها (1) .
والبداوة والحضارة متناقضان، لا يجتمعان علي صعيد واحد، ولا يمكن أن تزدهر مدينة في ظل بداوة، إذ المدنية كلمة مشتقة من قولهم: مدن المدائن أي مصرها وبناها. وتمدن أي تخلق بأخلاق أهل المدن وخرج من حالة البداوة إلى حالة الحضارة (2) .
والمجتمعات البشرية علي مختلف بيئاتها الزمانية والمكانية لا توجد طفرة، بل لابد أن تسير علي نسق متدرج، وأن تخضع لمبدأ النشوء والارتقاء، فكل المجتمعات التي سمعنا عنها أو رأيناها قد حققت قدرًا من الثقافة والحضارة لابد أن تكون قد مرت بمراحل عديدة من التكوين العقلي والفكري اجتازت فيها ألوانًا من السذاجة والفطرة والطفولة، ثم وصلت طور النضوجة والكهولة، وكذلك كان العرب والمسلمون، ولم يكونوا بدعا بين الأمم، بل خضعوا للمؤثرات المختلفة، والتي أسهمت في بناء حضارتهم كثير من العوامل، التي كانت قادرة علي تحقيق التأسيس والتثقيف والاستمرار، لعل من أكثرها خصوصية الوقف، فهو من العوامل البارزة في بناء الحضارة الإسلامية.
البناء: من قولهم بني الشيء، يبنيه، بنيا، وبناء، وبنيانا: أقام جداره ونحوه من المحسوسات والمعنويات، قال الشاعر:
والُبِنيه (بكسر الباء وضمها) ما ُبني، ومنه البناء، ومنه بنية الكلمة أي صيغتها (3) .
(1) …المدينة في العصر الجاهلي (الحياة الاجتماعية:الخ) ص 79 / للدكتور محمد العيد الخطراوي / مؤسسة علوم القرآن / بيروت / ط 1/ 1403 هـ - 1984 م ….
(2) …دائرة معارف القرن العشرين 3: 553.…
(3) …المعجم الوسيط (مادة بني) .…