الصفحة 22 من 35

ومِن هذا يظهر البعدُ الشَّاسعُ بين التَّكييف العُنصريِّ الضيِّقِ للجنسيَّة في النِّظام الغربيِّ، وبين ما أقرَّته الشريعةُ من تكريمٍ للإنسان بوصفِه إنسانًا يختارُ بإرادته العقيدةَ التي يرغب في اعتناقِها، والنِّظامَ الذي يقبَلُ العيشَ تحت حُكْمِه وسلطانِه، بغضِّ النَّظرِ عن جنسِه ومولدِه ونسبِه، ويتأكَّدُ التصوَّرُ الإسلاميُّ للرَّعوية من استقراءِ عددٍ من المفاهيم والقَناعات الإسلامية، بالإضافة إلى الأدلَّة الصريحةِ على ذلك مِن الكِتاب والسنَّة، وسنستعرض عددًا من المفاهيمِ الشَّرعية المؤكِّدة لخصوصيَّة مفهومِ الرَّعوية في الفِكر الإسلاميِّ.

أولًا: يتَّضح من كون دولةِ دارِ الإسلام دولةَ دعوةٍ تستهدف تطبيقَ الشَّرعِ في الداخل، وحَمْلَ الدَّعوة إلى العالَم - عدمُ جوازِ بناءِ نظامٍ إجرائيٍّ يحُول دون الحصول على الرَّعوية من منطلقٍ وطنيٍّ، أو قوميٍّ، أو ماديٍّ مَصلَحيٍّ، أو غيره.

كذلك يتأكَّد أنَّ الرَّعويةَ حقٌّ للفردِ، وليس مِنحةً من الدولة، من مفهوم الأحكام الشَّرعية التي أوجبت على المسلمِ الذي ينشأ في دار الإسلام تنفيذَ أحكامِ الشَّرع على نفسِه وغيرِه، ومن ذلك إقامةُ الإمامِ وطاعتُه ومعاونتُه في إقامة سلطانِ الإسلامِ، وإقامة الدَّولة التي تُقِيم أحكام الشَّرعِ؛ ولذا فإنَّ حمْلَه لتابعيةِ الدَّولة ورَعويَّتِها لا يصبِحُ حقًّا له فحسبُ، بل واجبًا عليه، حيث إنَّ إقامةَ حُكم الشَّرع فرضٌ عليه، بالإضافة إلى ذلك، فرضَت الشَّريعةُ الإسلاميَّةُ على المسلمِ الذي يُقيمُ في دار الكفرِ خارج الدَّولة - أن يُظْهِرَ أحكامَ دينِه، ومن ذلك تحويلُ بلادِه إلى دارِ إسلامٍ يُحكَمُ فيها بالشَّرعِ، فإن عجز عن إقامةِ أحكامِ دينِه وجب عليه الهجرةُ إلى دار الإسلامِ، والإقامةُ بها؛ لذا فإنَّ حمْلَ المهاجرِ للتابعية في هذه الحالة يصبِحُ أيضًا فرضًا عليه وحقًّا له على الدولةِ؛ حيث إنَّه يجب على الدولةِ معاونتُه في إظهار أحكام دينِه.

ومن ذلك يتَّضح أنَّ الأحكامَ الشرعيَّةَ المنظِّمة لعَلاقةِ المسلمين بالدولة تجعلُ للمسلمين المقيمين خارج الدولة الإسلامية الحقَّ في:

-أن يدخلوا دارَ الإسلامِ، وأن يُقيموا فيها دون حاجةٍ لأي إجراءٍ؛ من تصريحِ دخولٍ، أو خلافِه.

وللمسلمِ رَعويَّتُه أيًّا كان موطنُه، ويُباح له التنقُّلُ والعملُ في جميع أقاليم الدَّولةِ الإسلامية، ولا يجوز أن تُوضَعَ أمامه الحواجزُ والحدودُ [1] .

(1) الدكتور عارف خليل أبو عيد، العلاقات الخارجية في دولة الخلافة، الكويت: دار الأرقم، 1404 هـ - 1983، ص 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت