الصفحة 23 من 35

أضف إلى ذلك، أنَّ الشريعةَ الإسلامية - ومن منطلقِ كون الرَّعويةِ حقًّا للإنسانِ - لَم تفرِّقْ في منح الرَّعوية بين المسلمين وغيرهم، حيث أوجبت على الدَّولة إقامةَ أحكامِ الشَّريعة على غيرِ المسلمين، وإخراجَهم من عبادةِ بعضِهم البعضِ إلى عبادة اللهِ، ومن جَوْرِ الأديان والنُّظمِ الوضعية إلى عدل الإسلامِ من غير إكراهٍ في دينِهم؛ ولذا شُرع الجهاد لتحويل كلِّ دار كفرٍ إلى دار إسلامٍ، ولإبلاغِ الإسلام إلى الأمم كافةً.

ولَمَّا كانت إقامةُ غير المسلمِ في دار الإسلام أعظمَ وسيلةٍ يتوصَّل بها إلى إبلاغِه البلاغَ المبينَ؛ لِمُعاينتِه حكْمَ الإسلامِ وتمتُّعِه بعدالتِه، فإنَّ حصولَه على الرَّعويةِ إذا أقام إقامةً دائمةً بين المسلمين، ورضِيَ وقبِلَ بإجراء أحكام الإسلامِ عليه بقَبولِه عهدَ الذِّمة - يُعَدُّ كذلك حقًّا له؛ ولذلك فالذمِّيُّون كالمواطنين المسلمين، فهم في عِداد مواطني الدولةِ الإسلامية، ويحملون رَعويَّتَها، والتي تقتضي التزامَهم بعَقْدِ الذِّمة المنظِّمِ لحقوقهم وواجباتِهم، والخضوعَ لسلطان الدَّولة الشرعية [1] .

كذلك أكَّد الإسلام أنَّ مَن يَفِدُ إلى دارِ الإسلام من غير المسلمين قاصدًا الاطِّلاع على كيفيَّة تطبيق الشَّرعِ وسماع كلام الله، فإنَّه يجب على الدولة منحُه حقَّ الأمانِ المؤقَّت؛ وذلك مصداقًا لقوله - تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] .

وقد أكَّد ابنُ قُدامةَ - رحمه الله - أنَّ مَن طَلب الأمانَ ليسمعَ كلامَ الله ويعرفَ شرائعَ الإسلام - وجب أنْ يُعطاه، ثم يردَّ إلى مأمنِه، لا نعلم في هذا خلافًا، وبه قال قتادةُ ومكحولٌ والأوزاعيُّ والشافعيُّ، وكتب عمر بن عبدالعزيز بذلك إلى النَّاس [2] .

وفي هذا تمهيدٌ لحصوله على الرَّعوية إن رغِب في الإقامة الدَّائمة ورضِيَ بإجراء أحكامِ الإسلامِ عليه، ويتجلَّى ذلك بوضوحٍ من كونِ الدولةِ الإسلامية دولةَ دعوةٍ، تبدأ الكفَّارَ بالجهادِ، وتضحِّي بالأنفسِ والأموالِ في سبيل ذلك؛ لبَسطِ سلطانِ الإسلام على النَّاسِ، فلا يجوزُ لها - من باب أَوْلى - أن ترفضَ مَن يرغب في الدخول تحت سلطانها بدون قتالٍ ولا كلفةٍ.

ومن ذلك يتَّضح أنَّ رَعويةَ الدَّولة مرتبطةٌ بالإقامةِ الدائمة في دار الإسلامِ فقط؛ ولذلك فالأخوَّةُ الدينية بين المسلمين لا يترتَّبُ عليها حقوقٌ سياسيةٌ محدَّدةٌ إن أقام المسلمون خارج دولةِ الإسلام

(1) المرجع السابق، ص 41 - 42.

(2) أبو محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة، المغني، جزء 7، الرياض، مكتبة الرياض الحديثة، 1401 هـ - 1981، ص 399.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت