التغير الإستراتيجي ما بين الجذرية والتدرجية:
تتجه الدول عادة نحو إقرار الأبعاد الرئيسية لسياساتها الهادفة إلى تحقيق مصالحها وغاياتها بعد كثير من التمحيص والتدقيق والدراسات المتعلقة بواقعها وواقع الآخرين المنافسين منهم والمستهدفين، ومن ثم فإن تلك السياسات تتميز بقدر من الثبات النسبي ولا نقول الجمود، حيث يتسم التغيير الذي قد يطرأ على السياسات الخارجية للدول وإستراتيجياتها بالتدرجية، ومن ثم فإن حدوث تغييرات جذرية في تلك السياسات لا يتم إلا في حالات نادرة، في حين يكون السائد في سلوك تلك الدول هو القبول بالتغيير المحدود في الأبعاد الهامشية لسياساتها دون المساس بأبعادها الرئيسية والأساسية بشكل جذري شامل.
ويمكن تفسير الطبيعة التدرجية للتغير في السياسات الدولية بالنمط السائد في العلاقات الدولية وارتباطاتها والذي يفرض على الأطراف الفاعلة اتباع سياسات معينة، لما تتضمنه العلاقات الدولية من الدخول في تفاعلات معينة وما يفرضه ذلك من تخصيص الدولة موارد محددة للوفاء بالتزاماتها الناشئة عن تلك الارتباطات، الأمر الذي يجعل من العسير عليها إحداث تغييرات مفاجئة في استراتيجياتها على المدى الزمني القصير أو حتى المتوسط، إضافة إلى ارتباط تلك الاستراتيجيات في الغالب بمصالح الدولة العليا وأمنها القومي وهي من الأمور التي تتسم بالثبات وعدم القابلية للتغيير.
أسباب التغير الجذري:
غير أن الطبيعة التدرجية لتغير السياسات لا تنفي إمكانية حدوث تحولات جذرية في سياسات الدول واستراتيجياتها، غير أن ذلك التحول الجذري - وبمنطق الاستقراء والتتبع التاريخي - ليس من سمات الدول الكبرى، ولكنه من سمات الدول النامية والتسلطية عمومًا ومرد ذلك إلى عاملين أساسيين (4) :
أولهما: شخصنة القرار السياسي في ذلك النمط من الدول، فالقائد السياسي يهيمن على عملية صنع السياسات وصياغة الإستراتيجيات في ذلك النوع من نظم الحكم، ومن ثم فإن سياسات الدولة وإستراتيجياتها تتأثر بعقائد ذلك القائد ومدركاته ورؤيته للعالم، لذا فإنه من الوارد أن تتغير توجهات دولة ما إذا ما تغير قائدها أيًا كانت طريقة التغيير، كما أنه من الوارد أيضًا أن تتغير توجهات تلك الدولة مع بقاء القائد نفسه في منصبه وذلك إذا ما حدث تغير