فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 209

النفاق الغربي ودروس لمن يفهم!

كشفت مواقف الدول الغربية تجاه الثورتين في تونس ومصر عن أزمة حقيقية يعيشها زعماء أوروبا وأمريكا تجاه ما يحدث من انقلاب شعبي إستراتيجي، سيترتب عليه تغيير خريطة المنطقة والعالم؛ إذ لم يُسقِط الثوار نظامين يحكمان البلدين فقط؛ وإنما أسقطوا أيضًا جانبًا كبيرًا من سياج الهيمنة الذي ظل مفروضًا على البلدين منذ عقود، وأربكت الثورتان قادة الغرب الذين أصبحوا عاجزين أمام انقلاب الشعبين في تونس ومصر.

لقد فقد زعماء الغرب صوابهم وانقلبواعلى أنفسهم، وفُضِحَت المواقف الغربية انتهازيةً ونفاقًا فاق كل الحدود؛ لقد ساندوا حلفاءهم حتى النهاية، وبمجرد سقوطهم تنكروا لهم وانقلبوا عليهم وزعموا أنهم مع الشعوب يناصرون الحرية.

ففي تونس ساندت فرنسا الطاغية بن علي حتى الرمق الأخير، وأعلنت الحكومة الفرنسية عن استعدادها لتقديم ما يلزم من أسلحة وعتاد لقمع الثورة، ولكن بمجرد فرار بن علي، وركوبه الطائرة انقلبوا عليه ومنعوا طائرته من الهبوط في الأراضي الفرنسية، وتركوه يحوم في السماء حتى تعطَّفت عليه السعودية واستقبلته على أراضيها، وفوجئنا بساركوزي الذي كان صديقًا حميمًا لابن علي وقبلها بأيام استقبله بالأحضان يتملق الشعب التونسي ويتبرأ من الرئيس المخلوع ويمنعه من دخول فرنسا، ويعرض تقديم المساعدة للشعب التونسي الثائر.

وسار الأوروبيون على خطى ساركوزي وقررت الحكومات الغربية تجميد الأموال التي هرَّبها بن علي إلى الخارج، وكان الموقف الأمريكي أشدَّ نفاقًا؛ إذ أصبح بن علي الذي قدم للأمريكيين خدمات لا تقدر بثمن، وحارب الإسلامَ من أجلهم، وحوَّل بلده إلى رأس حربة ومفرزة متقدمة لمحاربة المد الإسلامي، أصبح ديكتاتورًا شريرًا، وإمتدح أوباما وكلينتون والقادة الأمريكيون الشعب التونسي وحيوا جميعًا الشاب محمد بوعزيزي مشعل الثورة وإعتبروه رمزًا للحرية.

ولم يستوعب الرئيس المصري السابق حسني مبارك الدرس وطمأن الغرب، وعاش في وهم مفادُه: أن مصر ليست كتونس، وأن رياح الثورة التي ضربت تونس لن تصل إلى مصر، ولكن لم يمتد به الزمان طويلًا حتى قام الشعب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت