نقول: إن الجهل باللاعب الأساس لا يؤدي إلا إلى الهزيمة أمامه، فإما أن تكون هزيمة مادية (عسكرية واقتصادية وسياسية) أو هزيمة فكرية ونفسية، وذلك عندما تتغلغل ثقافته وقيمه وأخلاقه عبر العديد من القنوات إلى عقولنا وبيوتنا، ونحن نحسب أنها من متطلبات التقدم الحضاري، لقد رفع الفكر الإسلامي منذ بدايات التحدي الغربي الكاسح للعالم الإسلامي شعار أن نستفيد من الحضارة المعاصرة بما يتلاءم مع معتقداتنا وأخلاقنا ومبادئنا، وأن نرفض ما يخالفها، ولكن هذا الفكر لم يستطع أن ينتقل خطوة أخرى لتجسيد هذا الشعار في أرض الواقع، لأننا لم نعرف الحضارة المعاصرة التي هي حضارة غربية بكل المقاييس بتفاصيلها لكي نعرف ما يتلاءم و ما يخالف، وقد أدى ذلك إما إلى اقتحام هذا الحضارة من قبل أناس لم يعرفوا أولًا معتقداتهم وشريعتهم، فانتقلوا إلى البحث والتنظير في ما يصلح و ما لا يصلح، أو إلى التوقف عند بعض مظاهر هذه الحضارة وإعطاء أحكام ناقصة أو متحيزة.
إن تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين، ورؤيتنا لما يجري في هذا العالم، ومعرفة القرارات المصيرية التي تتخذ على أكثر من مستوى: سوف تتأثر بشكل أو بآخر بمستوى معرفتنا بمن يحرك السياسات وينفذها سواء أكانت مباشرة أو من خلف الكواليس.
إذن: فمعرفتنا بأمريكا ضرورية لكي نستطيع أن نفهم ما يجري حولنا، ليس في تعاملاتنا الخارجية فحسب، ولكن أيضًا داخل حصوننا المشرعة للرياح؛ ولهذا: فإننا نتوقع أن دراسة واحدة عن أمريكا أو اثنتين أو مجموعة من الدراسات لا تكفي لتمنحنا القدرة على المعرفة، بل نحتاج إلى جهود علمية كبيرة تكون جزءًا من دراسة للحضارة المعاصرة بكل تفاصيلها وتبدأ من نقد مفهوم الحضارة ومفهوم التقدم من منظور إسلامي، ثم تنطلق لتجيب على أسئلة تتجاوز مجرد تحديد الواقع إلى معرفة أسبابه وخفاياه، بمعنى أن تتجاوز المعرفة مجرد ما هو موجود في الواقع إلى طرح أسئلة: كيف؟ ولماذا؟ .. كيف وصلت أمريكا إلى ما وصلت إليه؟ ولماذا تأخر الآخرون؟ فلا يكفي أن نقول مثلًا: إن أمريكا تمثل القوة العسكرية الأولى في العالم، ونبدأ نعدد في ترسانتها من الأسلحة النووية والتقليدية، بل نبحث في: كيف وصلت إلى هذه المكانة؟ ولا يكفي أن نقول: إن الجريمة والعنف والانحلال الأخلاقي تضرب أطنابها في المجتمع الأمريكي، بل نسأل: لماذا وقع هذا؟ وكيف؟
الأسئلة كثيرة عن أمريكا، وأحسب أن إجاباتنا عنها ستكون كما ذكرت مغرقة في الضحالة، وهذه ليست خاصية لمن يتعامل مع أمريكا عن بعد، مثل بعض رموز الصحوة الإسلامية ومفكريها فحسب، بل وحتى لأولئك الذين اقتربوا من المسرح الأمريكي، إذ إن معظم الذين تعاملوا بشكل أو بآخر مع المجتمع الأمريكي من الدعاة والمفكرين والدارسين، لم يستطيعوا أن يَنفذوا من حواجز كثيرة وضعوا أنفسهم فيها أو وضعت لهم إلى التعمق في فهم المجتمع الأمريكي، ومعرفة خصائص تفوقه وخصائص انحطاطه.
السياسة الامريكية وفساد العالم: