وما نحن فيه .. ونقلّل من أعمال الآخرين وننتقصها .. ونفكّر في واجب الآخرين، ونلومهم على تقصيرهم، ولا نفكّر في واجبنا أو حقّهم علينا .. نفكّر في الآخرين أنّ عليهم أن يثقوا بنا، ويعطونا المكانة اللائقة بنا، ولا نُفكّر في واجبنا .. أنّ علينا أن نرتفع لننتزعَ ثقةَ الآخرين بنا، فالثقةُ طمأنينة قلب، وارتياح نفس، لا تفرض بقانون القوّة .. وإنما تملك مودّة القلب، ومنطق الروح، وإخلاص النصح ..
إنّنا نغفل عن أنّ البطانةَ الصالحةَ لسليمان بن عبد الملك، التي مثّلها ذلك الرجلُ الناصحُ الأمينُ، العَلَمُ المغمورُ، رجاءُ بن حَيوة [1] ، كان من ورائها استخلاف عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وما كان على يديه من نفع عظيم لأمّة الإسلام إلى يوم الدين.
إنّ الرجل الكفء ليس بحاجة أن يشير إلى نفسه .. إنّ الدنيا كلّها تشير إليه بالبنان، أن يُختار، ويكون في موضع صنع القرار، أو التأثير في القرار .. إنّه يفرض نفسه، وينتزع الثقة حتّى من أعدائه، على رغم أساليب الزيف والدجل، وطمس الحقائق وتغييبها، فهل لنا أن نفقه هذه الحقيقة المطّردة، فنعمل على إعداد أنفسنا، وإعداد الرجال الأكفاء، أو التأثير في ميولهم واتّجاهاتهم.؟!
(1) ورجاء بن حيوة هو أبو المقدام شيخ أهل الشام في عصره، كان من العلماء الفصحاء، والوعّاظ النبلاء، لازم عمر بن عبد العزيز في إمارته وخلافته، انظر الأعلام 3/ 17/، وحلية الأولياء 5/ 170/، وتاريخ الخلفاء للسيوطيّ /226/.