الإسلاميّة اتّساعًا لم يعرف من قبل، وجدّت أمور مع هذا الاتّساع، وتعدّدت المشكلات، وكان الفاروق نسيج وحده، وَسِعَت سياسته كلّ ما جدّ وتطلّبته حياة الناس، فابتكر أشياء لسياسة الناس ورعايتهم، لم يسبق إليها من قبل، منها هذه الأوّليّات، وهي دروس لا يستغني عنها حاكم دولة، ولا قائد جيش، ولا قاضٍ، ولا فقيه، ولا مشتغل بالسياسة وتنظيم المال"."
ويقول أبو الدرداء - رضي الله عنه:"كم من سنّة راشدة مهديّة قد سنّها عمر - رضي الله عنه - في أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم -" [1] .
ولكنّ الحقيقة التي يُهمّنا تقريرها في هذه المناسبة أنّ ما فعله الفاروق - رضي الله عنه - إنّما فعله بمقتضى عبوديّته لله تعالى، واستلهامًا من عظيم تقواه لله - عز وجل -، وشعوره العميق بالمسئوليّة، وهذا ما جعل عمله متميّزًا نوعًا وعمقًا وأثرًا.
سأل الإمام الزاهد القدوة، عبد الله بن المبارك رحمه الله، إخوانه وكانوا معه في الغزو: تعلمونَ عملًا أفضل ممّا نحن فيه.؟ قالوا: مَا نعلم، قال: أنا أعلم، قالوا: فما هو.؟ قال:"رجل متعفّف ذو عائلة، قام مِن الليل، فنظر إلى صبيانه نيامًا منكشفين، فسترهم، وغطّاهم بثوبه، فعمله أفضل ممّا نحن فيه" [2] .
(1) نقلًا عن كتاب:"القيادة والتغيير"للدكتور بشير شكيب جابري ص/181/.
(2) إحياء علوم الدين 2/ 32/، وأحسب أنّه قال لهم هذا القول ليبعد عنهم الاغترار بما هم فيه من الرباط في سبيل الله، فكأنّه يقول لهم: لست وحدك تعمل لدين الله .. وما أكثر العاملين سواك! وربّما نال الرجل برعاية أهل أجر الرباط والجهاد في سبيل الله تعالى .. وربّما كان ما تستصغر من العمل أعظم أجرًا، وأرفع قدرًا عند الله من عملك، فاجتهد، ولا تقف عند المظاهر.