الصفحة 12 من 88

فما كان هو الملقّب بالفاروقِ لِيُقْدِم على التهديد بإقامة حدّ من حدود اللّه، فيه إزهاقُ روحٍ بدون بيّنة من أمره وبدون ضياء من مشكاة النبوة. ولمّا كان الأمر كذلك لم يعارضه أحدٌ لاستناده إلى دليلٍ بخلاف متعة الحج، فإته لما نهى عنها وقصد أولوية الإِفراد عارضه جمعٌ من الصحابة [1] .

ويقول الشيخ محمد الحامد رحمه اللّه تعالى في كتابه (نكاح المتعة حرام في الاسلام) ص 35: والذي أقولُه ويقوله كل مُنصف متّصف بالانصياع إلى الحق، المؤيّد بالبرهان: إنه لا يصحُّ في المعقول مطلقًا أن يستبدّ عمر (رضي اللّه عنه) من تلقاء نفسه بتحريم ما أحلَّه اللّه تعالى، كلاّ ومعاذ اللّه وهو يقرأ قوله تعالى: {يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أحًلّ اللّه لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوْا إنَّ اللّه لا يُحِبُّ المُعْتَدِين} .

كما أنه لا يغيب عنه رضي اللّه عنه تقريعُ اللّه للكافرين وتوبيخُه إياهم، إذ حرّموا ما أحلِّ، وأحلّوا ما حرّم بقوله الكريم: {قَدْ خَسِرَ الّذِينَ قَتَلَوا أوْلاَدَهُمْ سَفَهًَا بِغَيْر عِلْم وَحًرّمُوا مَا رَزَقَهُم اللّه افْتَراءًا عَلَى اللّه قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} . وبقَوله سبحانه أيضًا آمرًا نبيَّه الكريم عليه الصلاةُ والسلام أن يُطالبهم ببيّنة على تحريم ما حرّموا مكذّبين بدلائل الإِباحة التي أنزلها اللّه سبحانه، وناهيًا له أن يوافقهم في أهوائهم هذه إن هم اختلقوا دليلًا وافتروا إفكًا: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الذّينَ يَشْهَدُونَ أن اللّه حَرَّمَ هذَا فَإنْ شَهِدُوا فَلاَ تَشهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أهْوَاءَ الّذِينَ كًذّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهمْ يَعْدِلُون} أي يُسَوّن بينه - سبحانه - وبين غيره في العبادة التي لا يستحقها إلا هو وحده سبحانه وتعالى هذا إلي أن صراحة الصحابة في دينهم طبقًا للتربية النبوية تُهيب بهم إلى مواجهة عمر بالحق، لو أنه حاد عن سواء السبيل. اهـ.

وقد أجاد الفخر الرازي في (تفسيره) 3/ 287 في الإِجابة على نهي عمر رضي اللّه عنه عن المتعة فقال: ذكر هذا الكلام في مجمع من الصحابة وما أنكر عليه أحدٌ، فالحال ههنا لا يخلو، إما أن يقال: إنهم عالمون بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا إباحتها ولا حرمتها، فسكتوا لسكوتهم متوقفين في ذلك. والأول هو المطلوب. والثاني يوجب تكفير عمر وتكفير الصحابة، لأنَّ من علم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حكم بإباحة المتعة ثم قال: إنها محرّمة محظورة من غير نسخ لها فهو كافر باللهّ، ومن صدّقه مع علمه بكونه مخطئًَا كان كافرًا أيضًا، وهذا يقتضي تكفير الأمة وهو على حد قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أمَّه} .

(1) «المصدر السابق» ص 198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت