ألم تر أن العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب
والخصلة الثانية: أن يكون ذا دين وتقى فإن ذلك عماد كل صلاح وباب كل نجاح، ومن غلب عليه الدين فهو مأمون السريرة موفق العزيمة.
والخصلة الثالثة: أن يكون ناصحًا ودودًا فإن النصح والمودة يصدقان الفكرة ويمحصان الرأي.
وقال بعض الحكماء: لا تشاور إلا الحازم غير الحسود، واللبيب غير الحقود، وإياك ومشاورة النساء فإن رأيهم إلى الأفن [1] ، وعزمهن إلى الوهن.
وقال بعض الأدباء: مشورة المشفق الحازم ظفر، ومشورة غير الحازم خطر.
وقال بعض الشعراء:
أضف ضميرًا لمن تشاوره ... واسكن إلى ناصح تشاوره
وارض من المرء في مودته ... بما يؤدي إليك ظاهره
والخصلة الرابعة: أن يكون سليم الفكر من هم قاطع وغم شاغل. فإن من عارضت فكرته شوائب الهموم لم يسلم له رأي ولم يستقم له خاطر. وقد قيل في منثور الحكم: بترداد الفكر ينجاب لك العكر.
والخصلة الخامسة: أن لا يكون له في الأمر المستشار فيه غرض يتابعه ولا هوى يساعده، فإن الأغراض جاذبة، والهوى صاد، والرأي إذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد.
وقال الفضل بن العباس:
وقد تحكم الأيام من كان جاهلًا ... ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب
ويحمد في الأمر الفتى وهو مخطئ ... ويعذل في الإحسان وهو مصيب
فإذا استكملت هذه الخصال الخمس في رجل كان أهلًا للمشورة، ومعدنًا للرأي فلا تعدل عن استشارته اعتمادًا على ما توهمه من فضل رأيك وثقة بما تستشعره من صحة رويتك، فإن رأي غير ذي الحاجة أسلم، وهو من الصواب أقرب؛ لخلوص الفكر وخلو الخاطر مع عدم الهوى وارتفاع الشهوة [2] .
(1) الأفن: بالفتح ضعف الرأي، حاشية المدخل (4/ 43) .
وهذا الكلام ليس على إطلاقه بل ينطبق على بعض النساء فقط. فكم من نساء مؤمنات مشورتهن فلاح، وأكبر دليل على ذلك خديجة رضي الله عنها، وقصة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أم سلمة حين أشارت عليه بحلق رأسه في قصة الحديبية.
(2) المدخل (4/ 42 - 43) بتصرف يسير.