كان العرب إذا رغبوا في عمل ما أو على فعل شيء ما اعتمدوا على الطير، فإذا خرج أحدهم وسار إن رأى الطير طار يمنة وسار عن يمينه استمر في عزمه، وإن رآه طار عن شماله يسرة تشاءم به وعاد ورجع عما نواه.
قال العلامة أحمد بن حجر الشافعي - رحمه الله:"وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار عن يمينه تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسره تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه السانح بمهملة ثم نون ثم حاء مهملة، والبارح بموحدة وآخره مهملة، فالسانح ما ولاك ميامنه بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح، لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه" [1] .
وقال العلامة محي الدين النووي الشافعي - رحمه الله-:"والتطير التشاؤم، وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو شيء، وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح، فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في سفرهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم، وتشاءموا بها، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، فنفي الشارع ذلك وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير بنفع ولا ضر" [2] .
وقد يتساءل الإنسان لماذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الطيرة؟ وما العلة في ذلك؟ الجواب على هذا بأن يقال: إن الامتناع عن المضي والفعل نتج عن أمر غيبي لا يدل عليه دليل ناطق، وإنما هي مجرد حركة لطير لا حول له ولا قوة، كما لا تدل حركته على خير أو شر فهو نوع استنباط غيبي، والأمور الغيبية لا تدخل للكائنات فيها وإنما هي من خصائص الخالق سبحانه علام الغيوب.
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله:"وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوا وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له، إذ لا نطق للطير ولا تميز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويمتدح بتركه" [3] .
(1) الفتح (10/ 261) .
(2) شرح مسلم للنووي (7/ 480) .
(3) الفتح (10/ 261 - 262) .