ومعلوم أن الفأل الحسن أفضل من الطيرة؛ لما أخرجه البخاري في صحيحه [1] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا طيرة، وخيرها الفأل"، قالوا: وما الفأل؟ قال:"الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم"."
وبين الخطابي سبب هذا التفضيل فقال - رحمه الله:"وإنما كان ذلك لأن مصدر الفأل عن نطق وبيان، فكأنه خبر جاء عن غيب بخلاف غيره فإنه مستند إلى حركة الطائر أو نطقه وليس فيه بيان أصلًا، وإنما هو تكلف ممن يتعاطاه" [2] .
وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن مثل التشاؤم لا يصد المسلم عن عزمه وقصده؛ وذلك فيما أخرجه مسلم في صحيحه [3] عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أمورًا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان قال:"فلا تأتوا الكهان"قال: قلت: كنا نتطير، قال:"ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم".
تأمل أخي كيف نسب هذا الصحابي الجليل هذين الأمرين، أي: إتيان الكهان والتطير نسبهما إلى زمن الجاهلية وأفعال أصحابها، والمسلم يترفع عن ذلك كله.
وأمعن النظر في قوله - صلى الله عليه وسلم:"فلا يصدنكم"قال القاضي عياض - رحمه الله-:"أي لا يصدنكم عما كنتم تريدون فعله، قيل: دل من هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن الطيرة أن تعتقد أن لها تأثيرًا، وأن من يصمم على العمل بها عمل عمل أهل الجاهلية، وأن نفيه لها نفي لحكمها لا نفي لوجودها إذا كانت الجاهلية تعتقدها، وتدين بها، ويجدون تأثيرها مما يقع في أوهامهم وتصادف قدر الله وما أمر الكهان" [4] .
وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله:"وإنما جعل ذل شركًا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا أو يدفع ضرًا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى" [5] .
2 -وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صقر" [6] .
(1) برقم [ (5756) الفتح (10/ 264) ] .
(2) نقله الحافظ في الفتح (10/ 264) .
(3) برقم (537) في السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان.
(4) إكمال المعلم (7/ 152) .
(5) الفتح (10/ 262) .
(6) أخرجه مسلم في صحيحه (2220) في السلام، باب: لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة وزاد"ولا نوء"من مسند أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما، وأخرجه ابن ماجة في سننه واللفظ له (4/ 3539) ، وانظر الصحيحة (782) .