فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 58

ويبدو ذلك جليًا واضحًا في لفظ دعاء الاستخارة عند قوله:"اللهم إني أستخيرك بعلمك"والباء في قوله:"بعلمك"سببية؛ أي: بسبب علمك بالغيب والخير.

"والمعنى: أطلب منك أن تشرح صدري لخير الأمرين بسبب علمك بكيفيات الأمور وجزئياتها، وكلياتها، إذ لا يحيط بخير الأمرين على الحقيقة إلا من هو كذلك كما قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} (البقرة: من الآية 216) [1] ."

ويعترف العبد بقدرة الله سبحانه وعلمه بالأمور، ويقر بعجزه وقلة علمه وانعدامه في الأمور الغيبية.

حيث يقول العبد في لفظ الدعاء: ["فإنك تقدر ولا أقدر"أي: لا أقدر على شيء إلا بقدرتك وحولك وقوتك] .

وتقول:"وتعلم ولا أعلم"أي: وتعلم بالعلم المحيط بجميع الأشياء خيرها وشرها كليها وجزئيها وغيرها؛ ولا أعلم أي: لا أعلم شيئًا منها إلا بإعلامك وإلهامك.

وتقول:"وأنت علام الغيوب"وهذا من الاكتفاء أو من طريق البرهان؛ أي: أنت كثير العلم بما يغيب عن السوى، فإنك تعلم السر وأخفى، فضلًا عن الأمور الحاضرة والأشياء الظاهرة في الدنيا والآخرة] [2] .

أرأيت أخي كيف أن النطق بهذه العبارات اعتراف بالعقيدة الصحيحة، ووصف لله سبحانه بصفات الكمال والتعظيم؟

وقال العلامة بدر الدين العيني الحنفي رحمه الله وهو يذكر ما في حديث جابر من الفوائد: ["وفيه أنه يجب على المؤمن رد الأمور كلها إلى الله تعالى وصرف أزمتها والتبرؤ من الحول والقوة إليه، وأن لا يروم شيئًا من دقيق الأمور ولا جليلها حتى يسأل الله فيه، ويسأله أن يحمله فيه على الخير، ويصرف عنه الشر إذعانًا بالافتقار إليه في كل أمره، والتزامًا لذاته بالعبودية له، وتبركًا لاتباع سنة سيد المرسلين في الاستخارة، وربما قدر ما هو خير ويراه شرًا نحو قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} (البقرة: من الآية 216) [3] ."

(1) قاله علي القاري في المرقاة شرح المشكاة (3/ 402) .

(2) انظر ما سبق في المرقاة (3/ 403) .

(3) عمدة القاري (2/ 235) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت